المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ناصر اليديم  Headshot

مثقفون تحت الطلب

تم النشر: تم التحديث:

يرتبط أداء النخبة المثقفة في تطوير المجتمع بمختلف تجلياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وإخراجه من القيود الداخلية والخارجية التي تحول دون انطلاقه وإبداعه في أبرز المستويات، على الرغم من أن كل المشاريع الثقافية والفكرية والسياسية التي انخرط فيها المثقف بهدف بلورة مفهوم التغيير الإيجابي جعله يتمثل الأطروحات والمرجعيات الإديولوجية المختلفة.

لكن السؤال لا يتحدد بالتمثلات الفكرية في حد ذاتها فحسب، بوصفها نسبية وتاريخية؛ بل يتعدى ذلك إلى المثقف باعتباره المحتوي والمتمثل لهذه الأفكار، وتفاعلاتها
البينذاتية Intercultural ـ أو العبرثقافية بتعبير George Murdock ـ في إطار انفتاحها على الخصوصيات السوسيوثقافية للمجتمع الذي يعيش فيه يُؤثر ويَتأثر به، مما حذا بالمثقف إلى الانزواء عن المجتمع وعن الخوض في قضاياه.

غالبا ما يتم الحديث عن المثقف بوصفه مالكا للحقيقة وعاجزا عن الوصاية الفكرية على المجتمع، ويتأرجح بين هذين الموقفين، في حين يراه الآخر/ المجتمع متواريا وراء برجه العاجي في نخبويته الثقافية، بوصفها نوعا من المقاطعة الفكرية التي يمارسها المثقف في حق مجتمعه والإعلام.
هذا المجتمع بتفاعلاته وتناقضاته المتوارية أحيانا والصارخة أحيانا أخرى، يبقى زادا ومعينا لا ينضب ماؤه لأفكار المثقف خاصة إذا تعلق الأمر في الصراع بين الأنا المثقف/ والآخر، وذلك في إطار تفاعل الثقافات.

دائما ما يتهم المثقف بالسمو والترفع عن المجتمع، ولا ينخرط في قضاياه، وخاصة السياسية منها، لدرجة أصبح معها الخوض في الصراعات السياسية تهمة، لكن السؤال الذي يطرح وقد يجد صداه لدى مختلف الفاعلين في الشأن الثقافي: من هو المثقف؟ هل كل كاتب مثقف؟ أم هو الحامل لمشروع فكري وثقافي ينادي به عبر ثنايا خطاباته المعرفية؟

الجواب يبقى مفتوحا على أكثر من احتمال، إلا أن الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان هي أن مفهوم مؤسسة المثقف بمعناها السوسيوثقافي أصبحت تعاني من اضطرابات شحذتها فئة أضحت تنتسب لهذه المؤسسة، لدرجة أصبح معها أشباه المثقفين أكثر عددا وأبلغ صوتا، لأسباب عديدة ليس المجال بمتسع لنستفيض في الحديث عنها، وما الصراعات المتكررة هنا وهناك حول الجوائز الأدبية إلا خير مثال لهذا التشظي الذي لحق المثقف، ولعل أبرز مثال لهذا التشظي الذي ارتقى إلى مقام النسق المضمر ثقافيا، أن لجنة تحكيم جائزة "البوكر" تقرأ ما معدله رواية في اليوم، لتحكّم بين الروايات التي ترشحها دور النشر، بل إن الصراع احتدم لدرجة حجب جائزة المغرب للكتاب صنف الشعر، بعد أن أصر أحد الشعراء على الفوز بها.
هو العبث في أبهى تجلياته، لدرجة أن "المثقف" المفترض أضحى يكتب تحت الطلب، ويعير قلمه لمن يدفع أكثر ويكيف قناعاته الإيديولوجية حسب الظرفية.

ومن ثمة أصبح "الحائز" على اللقب الثقافي هو بمثابة الحائز على شهادة المثقف، هذه الشهادة التي باتت المحفز لفعل الكتابة.

أزمة المثقف الافتراضي لا تقف عند حد هذا "التهافت" المبالغ فيه وراء الجوائز، بل تتعداه إلى مستوى الموسوعية بمفهومها السلبي، ذلك أن مثقف اليوم أضحى يكتب في كل شيء ويفهم في كل صنوف المعرفة ومشارب العلوم، فتجد الناقد يقارب الخطاب الأدبي، بمختلف تلاوينه السردية والشعرية، ويتناول بالدرس والتحليل الخطاب السينمائي، و يحلل الخطاب السياسي بل قد يصل إلى التنظير في علم الاجتماع وعلوم التربية، وهو ما يجسد النسق المضمر لمفهوم المثقف في ذهنية المراقبين للشأن الثقافي.

ذلك أن المتأمل لهذا "الهوس" يجد نفسه محظوظا ومُثمنا له بشكل من الأشكال، باعتباره الخيط الرفيع الذي يميز بين المثقف و" شبه المثقف " في عصر أصبح يختلط فيه على الرأي العام التمييز بينهما، فالمثقف لا يشغل باله بالتكريم واعتراف الآخر والجائزة الأدبية، لأنه يدرك أن دوره في البنية الثقافية يتعدى ذلك إلى تأطير المجتمع من زاويته ومنهجيته ورسم خارطة طريق للمجتمع معتمدا في ذلك على آلياته و أدواته الإجرائية التي بلورها من خلال مشروعه الفكري.

المثقف الحقيقي لا يقاس بعدد الجوائز "الزائفة" التي نالها بشكل من الأشكال، بل بقدر عدد الطلبة الذين أطرهم وبقدر عدد الباحثين الشباب الذين قدمهم للمشهد الثقافي، هذه هي المعايير التي من المفترض أن تُعتمد للتمييز بين "درجات المثقفين " إذا افترضنا جدلا أن الضرورة تلحّ لهذا التفييء، مع العلم أن من شيم المثقف عدم البحث عن المجد، وينأى بنفسه عن هذا التفييء، فهو كالشمعة التي تحترق من أجل إضاءة دروب الآخرين، إلا أن المجتمع يشكره بغض النظر عن غض المؤسسات الرسمية الطرف عنه وعن ما قدمه ، فمهما أجاد أشباه المثقفين استراتيجية الإلهاء وإضفاء هالة ضبابية حول المثقف الملتزم، وتمويه الرأي العام، إلا أن المجتمع ينصفه ويقدره.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.