المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Lucia Annunziata Headshot

أوروبا أصبحت أخطر بقعة في الغرب كله

تم النشر: تم التحديث:

وسط مظاهر الهلع والدماء والذعر التي تملكت باريس، وأخذت منها كل مأخذ، اتخذت السلطات الفرنسية قراراً ينم عن ضعفها ويقرّ بانكسارها وحالها المثير للشفقة، ألا وهو قرارها بإغلاق حدودها. تدبير أمنيٌ صغير اتخذته الشرطة، لكنه بحركة واحدة نسف قروناً من تاريخ فرنسا التي قامت على النضال من أجل الحريات، نضال فرنسا من أجل حرية التنقل والترحال كان من أكبر فتوحات العصر الحديث، فرنسا هذه هي فرنسا الحريات الشخصية وحرية التجوال عبر العالم، لكن حركة واحدة صغيرة ذكرتنا بأيام الحرب العالمية وتعسفها ضربت كل التاريخ الناصع بعرض الحائط.

إن نظرنا بتجرد ووضعنا عناصر العنف والخوف جانباً نجد أن تلك الحركة البسيطة الصغيرة تلخص العمل الإرهابي الذي ضرب باريس كله.

في وسعنا إغلاق أبوابنا والاختباء في بيوتنا، وبإمكاننا وضع بلادنا تحت سيطرة رجال الأمن من أجل التوصل إلى هوية الفاعلين والنيل منهم، لكن مهلاً فهناك أمرٌ واحد: إن هؤلاء المهاجمين أساساً منا وبين ظهرانينا، إنهم رجال ونساء يحملون جوازات سفر نظامية وقانونية، رجال ونساء ترعرعوا هنا أو ربما جاؤوونا بعدما اندسوا بين آلاف الضحايا والمهاجرين الذين أتوا من كل حدب وصوب هرباً من العنف الإرهابي الذي مزق بلدانهم وأوطانهم، إنهم رجال ونساء يعرفون "الشنجن" حق المعرفة كما يعرفون أوروبا وعاداتنا وتقاليدنا والأماكن التي نحب ارتيادها في العطلات، إضافة إلى باراتنا المفضلة ومطاعمنا وصالات السينما وقاعات الرقص والسهر في نهاية الأسبوع، بل حتى إنهم أناسٌ يبدون مثلنا، يلبسون زينا ويتصرفون مثلنا.

وهكذا ليس من داعٍ لهؤلاء للتخفي وراء قناع، ولا حاجة لهم لاتخاذ تدابير ضخمة كالاعتداء على برج التجارة العالمي في نيويورك، فكل ما يحتاجونه هو الحصول على سلاح أو شراء رشاش ومن ثم السير في الطرقات لإزهاق روح شخص ما يحتسي فنجان قهوة، أو لعلهم يكتفون بكمية قليلة من المواد المتفجرة لكي يفجروا أنفسهم في أكثر منطقة مزدحمة يجدونها في طريقهم.

هذه هي ماركة الإرهاب وعلامته التجارية الجديدة، داعش أو تنظيم الدولة أو سمها ما شئت. إنهم ليسوا ذئاباً منفردة لكنهم ليسوا كذلك منظمة كبرى، بل مجرد مجموعات أو جيوب صغيرة ذات تنظيم بسيط وغير معقد، عقدوا العزم على قتل أكبر قدر ممكن من الناس وقتل أنفسهم كذلك في هذه العجالة، وذلك بتحيّن فرصة يتجمع بها الناس في مكان ما ومن ثم الاندساس فيما بينهم، والبقية بسيطة.

عملية باريس هي ذات النوع الذي رأيناه على مدى شهور بنفس التفاصيل ونفس التركيبة، شبابٌ مسلحون بلا أقنعة ولا لثام يهيمون في الطرقات ويقتلون كل من يصادفهم في أزقة وأرصفة باريس، وهم ذاتهم الذين رأيناهم على شاطئ مصري يطلقون النار على السياح بلباس البحر، أو على سياح في متحف باردو الوطني بتونس، حفنة متفجرات بسيطة زرعتها أيادٍ مجهولة على الطائرة الروسية فجرتها فوق سيناء، هي ذاتها المتفجرات التي حملها الانتحاريون وجاؤوا بها إلى الملعب الرياضي بباريس، مجموعات صغيرة، خطوات سريعة، والموت يعاجلهم حتى قبل أن تبدأ الشرطة باقتناصهم تماماً كما حصل مع مهاجمي شارلي إيبدو.

إنه بالفعل تطورٌ غير عادي طرأ على الإرهاب مقارنة بالعمليات الضخمة التي كانت من بنات أفكار أسامة بن لادن.

تطورٌ خطرٌ جداً لأن أسامة بن لادن كان أولاً وآخراً يفكر ويخطط مثل جندي ذو استراتيجية عسكرية، الأمر الذي يسر علينا مقاتلته نوعاً ما، أما هذه الفصيلة الجديدة من الإرهاب فعبارة عن تيارٍ ضخمٍ لا شكل له ولا هيكل، مثل نهرٍ غائرٍ في الأرض يبرز للسطح تارة ويغور فيها تارة أخرى لأن تياره يسري في عروق مجتمعنا داخلياً وخارجياً كذلك، تيارٌ بلا حدود ولا هيكلية وتعوزه حتى أبسط رغبة إنسانية بالعيش والتكاثر.

لعله أخطر نمط تنظيمي واجهناه إلى يومنا هذا، والأنكى أنه ظاهرة شبه منحصرة في القارة الأوروبية، فجذوره هنا، درسوا هنا في مدارسنا، ولأن هذه الجذور الإرهابية ضاربة موغلة في أرضنا لذا ستنفث سموم كراهيتها هنا في ترابنا.

شئنا أم أبينا، إن الحرب العالمية الثالثة قادمة على الطريق مسرعة نحونا، وأوروبا هي مسرح أحداثها، وهكذا غدت القارة العجوز كما يدعونها من جديد أخطر بقعة في الغرب كله. علينا التأهب لكل الاحتمالات.

للإطلاع على النسخة الأصلية للتدوينة من هنا

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.