المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

لُما عبد الكريم محمد Headshot

إلى المناضلين العشاق في سوريا: هذا ما تغفلونه وأنتم تنشرون صور الحب

تم النشر: تم التحديث:

أحبائي الرفاق المناضلين الذين غيّروا صورة متصفحهم، وشاركوا صور الحب في زمن الحرب، وتحدّثوا عن الأمل المزقزق، والأمة الموعودة بالنصر، وما إلى ذلك..

الرفاق الذين شاركوا، أحزنني وأغضبني بأكثر من عدد الدعوات التي رفعوها إلى السماء.. إنه ليطربني أن أُعلمكم بالتالي: -

الإصابة بالنابالم الحارق تصيب الدماغ بصدمة عصبية حادة، وفقدان سيطرة تام على الأطراف، مع ارتجافات سخية، فالألم المتولد عن الحرق يحيل المصاب إلى ثكنة متحركة من الألم الصافي، الذي لا يقاربه ألم، تذكرون المقطع التسجيلي للطفل الذي غطوا جسده بالطين في محاولة لتهدئة آلامه! لا لم يكن يرتجف من الخوف، ولا من البرد، كل ما في الأمر أنه كان يرتجف لهول الألم!

الإصابة بالفسفور لا يمكن تداركها بأي وسيلة كانت، المادة ستتفاعل فور اتحادها بالأكسجين، وستتغذى على اللحم الحي، لتأكل فيه. كل محاولات الإطفاء لن تجدي أبداً، يعني عملية الاحتراق ستستمر إلى أن تصل إلى العظم. شهدنا حالات فور إزالة شاش التعقيم عن مكان الإصابة للتغيير، تبدأ عملية التفاعل والاحتراق من جديد.

الشظايا المتفجرة جراء الإصابة بالصواريخ تتفتت بشكل عشوائي داخل جسد الضحية؛ لتحيلها إلى أماكن تمركز ألم متفرقة، البتر ليس أشدها على الإطلاق، الشظايا تهتك الأنسجة بشكل بالغ العشوائية، وتشظّي العظم، أما الموت فهو ليس متاحاً دائماً مع هكذا نوعيات من الإصابة، كحل لإنهاء كل هذا القدر من الألم. الروس يستخدمون الشظايا الحادة، كلاب الأسد يستخدمون ما هو أرخص، بما يتناسب مع استرخاصهم للشعب، في إسرائيل يستخدمون مواد كيماوية مصاحبة للشظية، تتوزع كذرات بحجم ذرة التراب، تسبب سرطانات متقدمة، يتابعون معها الحالة كمعمل متحرك لتجاربهم. الشظية بحد ذاتها، كحدوة الحصان، تتشبث باللحم، ثم تدور فيه فرماً إلى أن تصل إلى العظم؛ لتهشمه وتفصله.

طائرات الميغ الروسية درجة الخطأ فيها أعلى من مثيلاتها ذات الصناعة الأميركية التي يستخدمها الإسرائيليون، نسبة الخطأ هذه لا تعني شيئاً في ظل حرب إبادة قائمة على العشوائية الممنهجة!
البراميل تملأ بكل ما يمكن تخيله من القواطع الحادة الرخيصة والمتوفرة، منها المسامير، مع إضافة كريمة للكلور! طريقة قذف البراميل قائمة على العشوائية، والعشوائية في الحروب هي جوهر الرعب فيها؛ حيث عنصر الأمان يساوي الصفر بجدارة.

الحرب الكيماوية، وغازات الأعصاب.. يمتلك جيش حماة الديار ثلاثة زمر منها، السارين استخدم بكثافة، الذي يكفي تنشق كمية ضئيلة منه للموت، ليس قبل مجموعة من الأعراض بالغة الجمال، كالتشنج الحاد جداً، في العضلات بالطبع، ليس الشلل الانبساطي أبداً، بل التشنج الذي يخرج المصاب عن سيطرته على أطرافه، من شدته تكاد كرة العين تخرج من محجرها، ضيق التنفس بالطبع، وآلام أكثر من حادة، يعقبها الموت الرحيم. هذا النوع من الأسلحة استخدم بشكل مفرط، رغم كل التحذيرات الدولية، ولكنهم بالطبع لم يقدروا على مقاومة الموت الأبيض، الخالي تماماً من اللطخات الحمراء.

الأسلحة البيضاء تكفل رعباً مقيماً، فالقاتل يواجهك، وعيناه في عينيك، يميل برؤوس أحبائك، ويفصلها عن أجسادهم، الرعب في مراقبة الموت وهو يعمل كفيل بالتسبب في فقدان سلامك العقلي إلى الأبد، فكيف بك وأنت تحمل وزر العجز كاملاً، وأنت تسمع الاستغاثات، يلحقها صوت النحر ذاته، تمزق اللحم، والسكين تروح جيئة وذهاباً على الأعناق الطرية... الذبح بالسكاكين، فقط اجرح إصبعك وأنت تعد السلاطة، لتتخيل!

الموت حرقاً.. شهادات مروعة عن حرق الأطفال أحياءً أمام والديهم، في سبيل اعترافات، أو حتى للتسلية، إنهم يمسكونهم من شعر الرأس، يشوون الأقدام بداية، لتسري النيران رويداً رويداً في الجسد الغض الطري، ويصبح الموت بعيداً، ورائحة الشواء تبث الرعب بأكثر من ألف رصاصة!
الموت برداً، في ليالي شتاء بالغة القسوة؛ حيث درجات الحرارة تنخفض إلى ما دون الصفر، في غياب الكهرباء بالطبع، والمازوت كما هو معلوم. الحصار الخانق لم يتح أي فرصة للتزود بطعام يوفر بعض الطاقة في الأجساد الهزيلة، البرد يحاصر كما جنود الأسد: ببالغ الوحشية، لك أن تتخيل أن يتحول طفلك إلى قطعة لحم زرقاء متجمدة، وأنت لا حول لك ولا قوة!

الموت جوعاً، الحصار بأعتى مفرداته، الشبيحة في مدخل المخيم يلوحون بربطة الخبز أمام الأعين الذاهلة من الجوع، كل اقتراب تكافئه رصاصة، تعرف طريقها تماماً، ولكن ما الفرق! كل الرصاصات أرحم من غول الجوع الجائل في أجساد، لم يعد يصنفها من البشر شيء، إنه الجوع الذي يوصلك إلى الجنون.. المطبق!
الموت يعمل بكفاءة تامة مع الأطفال والنساء، الفئتين المستضعفتين الأكثر تأثيراً على الوجدان البشري!! الانتهاكات الجسدية مكفولة جداً، فرص الفرار تكاد تكون معدومة، مع الاستهداف المتعمد لإزاحة مربعات سكنية كاملة بعوائلها.

الدفن تحت الأنقاض وسيلة موت متوفرة جداً؛ حيث ترزح كل هذه الكميات من الخرسانة فوق صدرك، أوزان مهولة تنهرس تحتها الأجساد، كما تهرس أمك البطاطا، كل هذه الأتربة التي تعيق تنفسك، الاختناق لسيئي الحظ، الذين أبوا الهرس، الحديد سيخترق اللحم بالطبع، ليغدو الأطفال.. شيش كباب.

الصدمات النفسية المرافقة للحروب، والمتخلفة عنها لن تنتج إلا جيلاً كاملاً من المشوهين نفسياً، إلى الحد الذي يصير معه الموت حلماً وردياً صعب المنال، الأطفال الذين دفنوا مع أشلاء أمهاتهم، وآخرون تراكضوا في الأزقة على غير هدى، والقصف الذي لا يرحم يأتيهم من كل مكان، أطفال فقدت عوائلها بالكامل، أمهات ورجال وشعب كامل، لن ينجو الحي فيهم من إعاقة أبدية تلازمه العمر كله، قصص لم نسمعها بعد، قصص يكفي مجرد سردها لإصابة المستمع الآمن بعقد مستحكمة، أزمة اللجوء، والتواطؤ القذر على تجويعهم وإذلالهم وامتهانهم، ممن ظنوهم مصرخيهم دوناً عن كل البشر.

ومعذرة.. كوب الشاي سيبرد الآن، والشاي لا يشرب إلا ساخناً كما تعلمون، وإلا كنت واصلت وفصّلت... فحتى لقاء، دُمتم سالمين!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.