المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

لوچي الحصري Headshot

اليوم أتممت عامي العشرين

تم النشر: تم التحديث:

كنت بالأمسِ طفلة صغيرة أتمايل يمنةً ويسرةً، غير آبهة بما تكنّهُ نظرات البشر لي وما تحويه أقاويلهم عني، أتغنی في فرح رغم قبح صوتي ونشازه، البكاء شيمتي في أوقات الفرح وبالطبع أوقات الأحزان، تؤلمني أبسط كلمات الهزل فأبكي بحرقة حتى لو لم يستدعٍ الموقف ذلك.

أتناول إفطاري في التاسعة صباحاً وأختتم يومي بكوب من اللبن خالي الدسم، ثم احتضن دميتي الصغيرة لأقص عليها أحداث يومي المؤلمة كما أظنها، وبعدها أغط في سبات عميق أستفيق منه على صوت أمي تناديني بصوت أجشَّ لتخبرني بأنه قد حان وقت الاستيقاظ.

ولكن اليوم، بات الأمر مختلفاً؛ إذ إني بنظرة خاطفة للتوقيت بهاتفي الجوال في أثناء تناول الإفطار اكتشفت أن اليوم هو التاسع من يونيو/حزيران؛ أي إنني اليوم أتممت عامي العشرين، بما يعني أني لم أعد مراهقة بعد اليوم، من الآن فصاعداً أصبحت مسؤولة عن أفعالي جملة وتفصيلاً، لن يغفر لي أحد أخطائي ولن يتهاون أحدهم مع سقطاتي.

وحتی تلك المبررات التي كانت تنقذني دوماً وتبرر لي أني ما زلت طفلة- لم تعد موجودة بعد، ولا أعرف كيف مرت الأعوام بهذه السرعة، كل ما أعرفه هو أني ما زلت طفلة، وبالمعنى الأحرى لا أتخيل نفسي أبداً فتاة في العشرين من عمرها.

فكيف لي أن أصبح في العشرين من عمري وما زال الخوف يعتريني حين تظلم الأنوار، وحين يرتفع صوت أحدهم فجأة أو حين يوبخني أحدهم بالكلام؟! كيف وما زالت دميتي الصغيرة لا تغادر أحضاني عند النوم، أفلام الكرتون هي الأقرب لقلبي ولبس العيد لا يترك عيداً دون أن يمر على خزانة ملابسي المتواضعة، ما زلت أحكي كل أحداث يومي للبشر أجمعين دون التفرقة بين عدو وحبيب، وما زال فانوس رمضان يشع السرور بقلبي أكثر من أي شيء آخر على متن هذا الكوكب؟!

وفي الواقع، لا يؤلمني شعوري بأني ما زلت طفلة؛ بل الأكثر ألماً هو شعوري بأني أفنيت 20 عامً من عمري في هراء، فكم من أحلام حلمت بها حين كنت في العاشرة من عمري وأقسمت أني سأصل إليها جميعاً حين تطرق العشرون بابي!

وها هي تطرقه لتحطم كل آمالي وتخبرني بأن طريق الأحلام ما زال طويلاً، وأن كل ما وصلت إليه لا يعادل 1% من بحر الأحلام، ولكني ربما وصلت لما هو أكثر من تلك الأحلام، وصلت لنفسي وعرفت من أكون، ماذا أريد، وما الخطوات التي سأقوم بها لنيل مرادي.

فلم تكن العشرون عاماً السابقة من عمري أمراً هيناً؛ بل إن الحياة قلّبتني كثيراً بين كفيها، عرفت آلاف الأشخاص وخسرت أضعافهم، أحببت فخذلني الحب، وصادقت فلم أجد الراحة في أي صداقة حتى آمنت بأن الخِل الوفي واحد من المستحيلات الأربعة.

وثقت فخُذلتُ وحلمت فضاعت أحلامي، حتی أطلقت الحياة بداخل قلبي إنذارات عدة ليتعلم كيف يختار الطريق الصحيح ورسمت علی جدران عقلي مبادئ أتمنّی أن لو أتشبث بها الدهر بأكمله، فتعلمت بعدها أني لن أجد الحب حين أبحث عنه، وأن حباً أكثر من حب أمي لي ليس له وجود إلا في الأساطير والحكايات.

تعلمت أننا لا يمكن أن نصبح أصدقاء طالما نسعى للوصول للشيء ذاته، وأن طريقاً رسمه الله لي خيراً ألف مرة من ذاك الذي عشت أخطط له سنوات، تعلمت أن الحلم لا يُسمی حلماً إذا تم اقتناؤه من دون عناء، وأن بداية طريق النجاح حتماً لا بد أن تُكلل بالفشل.

تعلمت أن أترك البشر وشأنهم فلا أحكم على أحدهم ولا أسخر من حال غيره، وأن أعتمد على ذاتي في حل المشكلات التي تخصني دون اللجوء إلى أي استشارات خارجية، تعلمت أن حدود العلم لا تنتهي عند باب الجامعة؛ بل تبدأ من عندها، وأن الشهادة الجامعية هي أول الطريق وأبداً لن تصبح منتهاه، تعلمت التعامل مع البشر بمختلف شخصياتهم، التأقلم دون التطبع، والثبات على المبادئ حتى لو تخلی عنها الجميع.

تعلمت الكثير والكثير مما سيكلفني آلاف السطور لأكتبه، لكن المهم في النهاية أني أصبحت أقوى مما كنت عليه، وبتُّ أواجه صدامات الحياة وصراعاتها بنفس راضية، أضحيت أكثر فهماً للبشر ونواياهم، وأتوقع الأسوأ دوماً من الأقربين فصرت أكثر تحمُّلاً لخذلانهم اللامتناهي وأكاذيبهم المتصنعة.

وفي ختام عامي التاسع عشر انتابتني حالة غريبة من الرغبة في التغيير حتى بات كل من حولي لا يفهمون مجرى الأمور، قطعت علاقاتي بالبشر كافة، توقفت عن تدوين أدق تفاصيل حياتي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وصارت تلك المواقع آخر اهتماماتي حتى إني خرجت من عالمي الافتراضي وبدأت أواجه الحياة بمفردي.

وها هو قد جاءني عامي العشرون ليُغلق الجزء الأول من كتاب حياتي بما فيه من آلام وأفراح وخبرات وإنجازات، ويفتح لي جزءاً آخر لأخطه بقلمي خلال العشر سنوات المقبلة، فأملأه بخبرات وإنجازات أخرى، ولا مانع بقليل من الآلام إذا اعتبرنا أن تلك هي سُنة الحياة.

وأما عن قراراتي للعام الجديد، فقررت ألا أسمح لأي من الأشخاص الذين سقطوا عن شجرة حياتي طيلة السنوات السابقة بالولوج إليها من جديد، وأن أكمل طريقي بعزيمة متأججة وروح معافرة حتى أصل لأحلامي المعلقة كافة.

وأما عن أمنياتي للعام الجديد، فأتمنى التعلم من كل ما فات وعدم تكرار أية أخطاء قمت بها عن قصد كانت أو من دونه، ولعل ذلك سيصبح أبسط اعتذار لنفسي عن كل مرة أخطأت بحقها، كذلك أتمنى أن أصبح أفضل كثيراً مما كنت عليه من قبل.

وبهذا، يمكنني الترحيب بعامي العشرين وكأنه عامي الأول في تلك الحياة أو أنها الصفحة الأولی في الجزء الثاني من كتاب حياتي، فاليوم أتمّ عامي العشرين وأطوي معه كل ما فات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.