المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

لُبابة شهاب Headshot

مسلسل قيامة أرطغرل "3": الإسقاطات وعنصرية بني عثمان

تم النشر: تم التحديث:

رحلة الستة أشهر أختمها اليوم، وبعيداً عمّا ذكرته سابقاً وما سأذكره أخيراً، فالعمل دراميّ وليس تاريخياً إطلاقاً، الحقائق التاريخية به لا تتعدى الخمسة بالمائة والباقي أحداث لبناء جو درامي مناسب للسرد.

كذلك فإن المسلسل مهم لمسلمي العرب عامةً وللمصريين خاصةً، الذين كان جل اتصالهم بالتاريخ العثماني كان عن طريق المناهج القومية ولم يصل إلينا غير جملة "نقلَ محمد علي باشا علماء وخبراء مصر إلى الأستانة".

ولا شك أن المسلسل هو إضافة بل نقلة في عالم الدراما الإسلامية، وأن إنتاجاً ضخماً مثل هذا يجب أن يصل إلى كل بيت مسلم، فإن لم يروا ما به من إسقاطات على الواقع فتزيل غشاوة أعينهم، فإنه قطعاً سيضيف معاني دينية وإنسانية جميلة.

الجزء الأول: السهوات
كأي عمل بشري لم يخلُ من الأخطاء والمغالطات التاريخية، بعضها ربما مقصود لخدمة الحبكة الدرامية ورؤية طاقم العمل، والبعض الآخر قد يكون سقط سهواً، مع ترجيح الاحتمال الأول.

أي مشاهد منّا من أول حلقة وربما من أول نصف ساعة فقط، لن ينفك يسأل: أين هم؟ لماذا الهجرة؟ أي أمانة؟ من هم فرسان الهيكل؟
كون البداية مبهمة جداً، ستُطرح تساؤلات بديهية: كـ"لماذا تتنقل القبيلة من الأساس؟" ذلك لأنه لم يتم في البداية ذكر خطر المغول الذي طاردهم مئات الأعوام.

بالطبع استخدام الغموض هو أداة فنية عظيمة، لكن ليس في الخطوط الأساسية للمسلسل، خاصةً أنه لن تتضح أي معالم له إلا بعد حلقات عدة، ناهيك عن أن الحلقة الواحدة تمتد لساعتين، الأمر الذي يستلزم أن يبحث المشاهد قليلاً في التاريخ قبل أن يتابع المسلسل.

عنصرية بني عثمان:
معلوم أن الأتراك لديهم لمسة خفيفة من التكبر والتعالي.. آه حسناً ربما ليست خفيفة.
على مدار السبعين حلقة التي تابعتها متفحصة التفاصيل - تركت هذه النقطة لآخر مقال فربما تستقيم الكفة - وجدت عبارات الفخر بالعرق تتصدر المشاهد "نحن الأتراك.. نحن الأغوز.. في أعرافنا".

نعم أعلم أنّه من الأهداف الأولى لإنتاج المسلسل، هو إعادة إحياء التاريخ العثماني، لكن ليس على حساب تاريخ بقية الدول الإسلامية!

فالحقبة الزمنية التي يتم فيها سرد الأحداث كانت في فترة حكم الدولة العباسية، تحديداً الخليفة الناصر لدين الله، وهو من السلاطين العباسيين المعروفين في التاريخ الإسلامي، بل إنه عَلَم من أعلامه، فهو تحديداً، إذا جئنا لذكر علاقته بالسلاجقة، من حاول في بداية ملكه دحر ملك السلاجقة لتستقيم أمور دولته ودارت بينهم خلافات وحروب وفتن عديدة لا يمكن إغفالها جملة؛ لذلك لم يكن سهلاً أبداً تهميش هذه الأحداث إذ كانت في قلب الفترة التي يحكيها المسلسل، وربما كان ذلك عن طريق العمد.

الأمر الثاني، الذي لا أعلم حقاً كيف يمكن أن يكون سقط سهواً، هو إظهار قاضي حلب في الجزء الأول بأنه يقبل الرشوة!
لماذا يصرّ طاقم العمل على تزييف أمور تاريخية معروفة للعامة؟
قاضي حلب حينها كان "ابن شداد" وهو مؤرخ وقاضٍ مسلم، عاصر صلاح الدين وأرّخ لفترته، وله كتابه الشهير: "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية"، كما كتب في الشريعة: "فضائل الجهاد"، فاللعب في تاريخ شخصية مهمة ومعروف تاريخها وسيرتها هو استهتار بعقول المشاهدين.

ثم نأتي إلى قضية "أعرافنا"، الكلمة كانت تذكر بكثرة كأنها هي عقيدتهم وفقههم، ولم يتم ذكر "ديننا" بمثل هذه الكثرة.

ثم أين بقية المسلمين بحق الله؟
فقد عمل طاقم المسلسل على الفصل التام بين المسلمين من الأتراك وغيرهم من العرب.
فعلى مدار الثلاثة أجزاء، لم يتم فعلياً ذكر أي شيء متعلق بالعالم الإسلامي، ولم يتم إظهار أي شخص عربي، ولا حتى ذكر أحوال بقية البلدان المسلمة.

القسم الثاني والأهم: الإسقاطات

انقسم متابعو العمل بين السعداء بالإنتاج كأنه نصرة لدين الله، وهم في الغالب ذاتهم الذين يرون الأتراك جنود الله، وفي أردوغان خليفة المسلمين، وبين من رأوه من زوايا أخرى غير العائد الفني والديني.

أردوغان وحزبه أدركوا أهمية وقوة تأثير الأدوات الإعلامية والفنية، فكم من العرب يتابع المسلسل حالياً؟ كم منهم بدأ يتساءل عن هذه الفترة التاريخية المهشمة؟
لكن الهدف ليس إهدار هذا الكم الطائل من الأموال فقط لإنتاج عمل تاريخي، إنما للترسيخ في أذهان كل مشاهديه، كيف كانت حقيقة التاريخ العثماني وكيف كان مجاهدوهم وكيف سيكون مستقبل الدولة التركية الحديثة.

الصورة التي قُدِمت بها هذه الفترة تجعل أي شخص مسلم، مفتقد لروح الكيان الإسلامي وماهيته، يغير نظرته للواقع، ففي المسلسل تم شرح أدوار كل الفصائل المجتمعية، من الأطفال حتى الشيوخ، أليس سهلاً إذاً أن يستدرك المشاهد دوره هو في زمنه؟ أو حتى أن يقترب من مراد الله منه؟

من الجزء الأول سيظهر بوضوح أن كل شيء في المسلسل ما هو إلا تمثيل أبسط للواقع الحالي؛ حيث كل شيء كما هو لكن بصورة أقل تمدناً، فوضْع تركيا الآن -كما يظهر للعامة- أنها تقف في مواجهة العالم لحماية الضعفاء ودفع الظلم، وهي الصورة ذاتها لقبيلة أرطغرل في مواجهة المغول والصليبيين، اللذَين كانا يمثلان كل التحدي بالنسبة للمسلمين آنذاك، وفي الجزء الثاني والثالث ستتبدى أهمية الاقتصاد، خاصة في إظهار سيطرة فرسان الهيكل على الطرق المالية حينها، وهو ما يبين ذكاء الكاتب؛ إذ إن الدولة القوية لا تقوم فقط على حِدة سيوف مقاتليها.

تمثيل الخونة كان دقيقاً جداً، مع فارق أن الآن كل من يحكمنا خونة، لكن الخيانة في ذلك الوقت لم تمتد لأعلى سلطة "السلطان" وهو ما ينقلنا لآخر وأهم نقطة:
وهي غياب صورة القائد الذي يقاتل الناس خلفه، فحينها كان لديهم السلطان علاء الدين، وكان أعداؤهم معروفين، ولم يكن ينغص حياتهم إلا خروج خونة من تحت جلدهم، فيتخلصون منهم وتستمر الدولة قائمة بزعيمها وشعبها.

لكن ماذا يحدث إن كان أصحاب الأرض وأولو الأمر خونة؟ والأدهى، ماذا إن علمت الشعوب أنهم خونة ولكن ما زالت ترى فيهم حماة الوطن؟

"إذا أردت تحرير وطن، ضع في مسدسك عشر رصاصات، تسعة للخونة، وواحدة للعدو، فلولا خونة الداخل، لما تجرأ عليك عدو الخارج".

الأمر الجميل جداً الذي أختم به: هو إظهار الصورة النقية الصحيحة للجهاد في مواجهة حركة السكون والتسليم، والأمر به إسقاط على الواقع أيضاً.

تجلَّى ذلك في مواقف أرطغرل وكيف كان يهتم جداً بأن لا يترك فرصة يكون فيها مُدافعاً إنما يبادر بالهجوم.
والمخرج جعل كل الصراعات داخل القبيلة عن هذا الأمر؛ لأنه حال المسلمين حالياً، فنجد جوندودو يمثل حركة "لنجد وطناً آمناً نربي فيه ماشيتنا خير من أن نواجه عدواً كبيراً يمكننا أن نتفاداه"، وبين أرطغرل الذي يمثل حركة الفتح وعدم انتظار العدو ليهاجم؛ بل يقاتل ويفتح بلداناً ويقيم دولة الإسلام في أقصى بقاع الأرض.

الكلام ربما يبدو أساطيرياً قليلاً، لكنّه كان واقع كثير من الفاتحين الذين لم يملكوا حينها إلا سَيْفَهم، ويقينهم.
(تم بحمد الله).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.