المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ليندا حبيب التيس Headshot

في يوم ختاني

تم النشر: تم التحديث:

اليوم هو الثاني بعد عيد الفطر، ما زالت الأجواء الاحتفاليّة تُفعم شوارع الحيِّ، هذه البهجة التي وُثِّقَت بطقوس وعبادة دين الإسلام هي حقّاً سعادة ينبوعها القلب وصفاء الرُّوح.

الشَّيخ فهمي يتربَّع بالقرب من داره، يُلقي بابتساماته على كلِّ مارٍّ وسائر، ويُتبعهم بنظراته حتَّى يبرحوا وكأنَّه ينتظر قدومهم مرَّة أخرى، بجواره وُجد منزل خالتي الحاجِّة "أُمّ طارق"، تلك العجوز الطَّيِّبة التي لا تنطق إلا دعاءً بالخير والحُبِّ.

من الجهة المقابلة، هناك باحة الباعة المتجوّلين، بائع الفوشار، بائع "المهلبيَّة"، وأشهرهم "الدّرويش جعفر" بائع الحلوى والسُّكَّر، ولعلَّه نال شهرته بسبب طربوشه الأحمر، الذي يسع رأسين رغم ضخامة صلعته، ونعليه البُنِّيَّين، الذي كان يفتخر بهما، مردِّداً أنَّهما آخر ما ورثه عن أبيه، فكان دائماً ما يحرص على تلميعهما، ورتق ثقوبهما عند حانوت "العمِّ حميد".

اليوم قرَّرتُ وبعض رفيقاتي أن نلتقي عند مقرِّ تجمُّعاتنا المعتادة، أي مقهى النِّسوة عند الدَّوار الخامس بشارع الإسكندريّة، لقد ألِفنا التجمع هناك في نهاية كلِّ أسبوع، لنتجاذب أطراف أحاديثنا، ونتبادل الآراء فيما بيننا. هناك نجد جميع الفئات من النِّساء: المنتقبة، المحجَّبة، وغير المحجَّبة، الغنيَّة والفقيرة، المتعلّمة والجاهلة، لهذا فإنّنا نستفيد جدّاً من اختلافنا، ونحبّذ المجيء هنا!

ولجنا المقهى وقعدنا، ثمَّ طفقنا نطرح ما عرض لنا خلال شهر كامل -أي شهر رمضان- من شتَّى الموضوعات المتباينة، وثبتنا على هذه الحال ساعة وربع الساعة تقريباً. وفجأة! علت الزَّغاريد أرجاء الحيِّ، ودوَّى صداها داخل أركان المقهى.

اشرأبت رقابنا وعيوننا من الشبَّاك، ثمَّ أدركنا أنَّ موكب ختان صبيَّة الحارة قد مرَّ حينها، غلب صوت من آخر المقهى، سرعان ما علمنا أنَّه كلام السِّتِّ "بهيجة"، عاملة بهذا المكان "مُبارَك مُبَارك! عُقبَال البَنَات يا ربّ..!"

وهُنا أخَذت كلٌّ منَّا تروي تجربتها مع ختان الإناث، قالت إحداهنَّ "اليوم ده فعلاً كان بالنّسبة ليَّ يوم أسود! إزّاي البنت بتقبل إنّها تتأزّى بفظاعة وبشاعة زي كده، تحت مسمَّى الشَّرف والعفَّة.. أنا بجد أتمنّى لو يرجع بيَّ الزَّمن لقبل الختان حتَّى أمنع نفسي من هذه الجريمة!".

وأضافت أخرى: "ميصحِّش أبداً إنِّنا نخالف عاداتنا وتقاليدنا! حتّى أمّي وستّي وكلّ اللي قبلهم مرُّوا بعمليّة الختان، يعني بجي أنا وبخالف!!"

ومع كلّ قصّة تُحكى، وكلّ تجربة تُروى كانت ذكرياتي ترجع بي إلى ذاك اليوم المشؤوم! يوم كنت أبلغ من العمر تسع سنوات، يوم كنت طفلة بريئة لا تعي جرماً ولا حزناً، فقط كلّ همِّها أناقة دميتها وجدائل شعرها، لكن براءتي هي التي جرَّتني لتعاستي، فخدعتني جدَّتي حين مدَّت إليَّ قطعة من السُّكَّر ثمَّ سحبتني إلى "الدّاية" ليتمّ ختاني، أذكر جيِّدا فرحها، ويديها المخضَّبتين بالحنّاء وهي تصفّق، احتداب لسانها وهي تطلق زغاريدها، وقائمة الأغاني الشّعبيّة التي كانت تكرِّرها مع تمايل جسمها الممتلئ على ألحان هذه الأغاني.

ما زلت أتذكّر بسمات وهمسات والدتي في أذني لحظة الختان، حينما كانت تخبرني بأنّني بعد هذا سأصبح أكثر أنوثة، وسأزداد طهراً وشرفاً.. نعم لقد صدّقتهما! اغتنمتا براءتي، وسلبتا منّي طفولتي، لم تكترثا لدموعي وصيحاتي التي دوَّت بكامل البيت آنذاك، أو ربّما في كامل ضاحيتنا، لقد كان صياحاً مرعباً يرعد النّفس ويدمي القلب.

والآن أفيق كلَّ صباح وأنحني ليلاطفني حضن أمّي، ثمّ أهرع لتقبيل صورة جدّتي -التي توفِّيت منذ ثلاث سنوات- المعلَّقة في غرفتي، ثمّ أُردِّد "رحمك الله يا جدّتي! ليسامحك الله يا أمّي!".

.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.