المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

لينـا الحداد Headshot

طريق دمشق - آلن

تم النشر: تم التحديث:

مرّة أخرى على الطريق، في باص كبير أخضر اللون، هذه المرة أيضاً أنا وحيدة والوجهة آلن! في سوريا سافرت للمرة الأولى بالباص، كان ذلك إلى مدينة طرطوس الساحلية التي كانت تلقب تهكماً بـ"أرملة الشاطئ السوري" مقارنةً بمدينة اللاذقية المعروفة بـ"عروس الشاطئ" لتركز الخدمات والاستثمارات التجارية فيها.

سافرت يومها مع مؤونة من السندويتشات اللذيذة! زيت وزعتر وجبنة ومربى.

كان سيراناً سورياً تقليديَّ الطابَع على أنغام "علي الديك" و"الحاصودي"، وفي نهايته البحر الأبيض المتوسط. ذاك البحر الفينيقي العتيق المضجع بضجرٍ منذ الأزل على شطآن قاراتٍ ثلاث. تزيده الشمس بُهرجاً وغروراً بِلآلئ برّاقة تجمعها من خصلها الذهبية وتنثرها إليه، فيبعثر هديته اليومية على امتداد جسده كيفما اتفق ويعود إلى مداعبة شواطئه الكثيرة مرسلاً إليها أمواجه الزرقاء الداكنة، الواحدة تلو الأخرى.

وعلى إحدى هذه الشواطئ شاليه، وللشاليه شرفة ومن تلك الشرفة سهراتٌ مهداةٌ للعب الورق وشجارات الورق وأثير الإذاعة المحلية تتلوها صباحاتٌ باكرةٌ لعوبة على وقع الشروق وأمواج الفجر الكسلى. لم يكن الباص يومها أنيقاً ولم تكن الرحلة مريحة، لكنها كانت رحلة بهيجة كما تبدو كل ذكريات الشباب المبكر بعد حين.

في أول شتاءٍ لي في اليابان اهتديت إلى طوكيو، قبل السفر طلب مني أبي عبر أثير سكايب الأزرق، أن أعير اهتماماً بالغاً لعظمة طوكيو. قال لي فرحاً: "أنت اليوم يا لينا في طريقك إلى مدينةٍ عظمى، إلى عاصمة من عواصم المستقبل ونصبٍ حضاري مهم لما يمكن لإرادة الإنسان أن تبنيه.

"وضبت كلماته وحقيبة ظهري السوداء وامتطيت لأجل طوكيو صهوة الباص الليلي ذي الساعات السبع. وفي الصباح الباكر حط الباص رحاله في محطة "شينجوكو" فكانت طوكيو وكان سحرها وبريقها الآسر، وسرقتني طوكيو. سافرت من بساطة كيوتو وهدوئها وجبالها وخضرتها ونهرها الوادع ومعابدها الألف، إلى جنون طوكيو وازدحامها وفورة الحياة الصاخبة في ربوعها وعمرانها المهيب والإطلالة المبهرة على هذه المدينة اللامتناهية الكبر من منصة المراقبة في برج طوكيو. تأملتها طويلاً من المنصة وغمرتني النشوة رويداً رويداً فيما تميل الشمس إلى الغروب بدلالٍ فوق عاصمة الشمس. ويشتعل ليل طوكيو، ومع ومضة كل ضوءٍ جديد تتسع أحداقي لتستوعب كل ما ترى. يتردد في داخلي صدى كلمات أبي وأفكر: "نحن طوكيو، هذه هي البشرية في عام 2011، هذه صروحنا، نحن هنا".

صعدت بعدها إلى منصة المراقبة في برج طوكيو مراتٍ عدة وكانت النشوة نفسها في كل مرة. لكل رحلة باص إلى طوكيو قصة، وفي كل مرة ارتحلت إليها لأستكشف مزيداً من خباياها ردت لي المعروف بأنها كلما أرتني من عالمها فسحةً، فتحت لي باباً للنظر في عوالمي. وعلمتني الكثير، من جبروتها وطغوتها، من تناقضها من إغواء ليلها ونضارة صباحها، من أبراج اليوم الشاهقة ومن أصالة الأمس، بمعابده وقصوره ومتاحفه، المطرز بعناية كنياشين على صدرها. في طوكيو عرفت للوحشةِ أُنساً ولإغراء الرفقة مسحة حزينة تنبئ بالفراق الوشيك.

وفي منتصف ليلها ألملم نفسي وذكرياتي وتذكاراتي وأسابق الزمن إلى محطتها المركزية، ومن هناك أصعد باص العودة الليلي مع عشرات المسافرين الغرباء عني، المتواطئين معي على المغامرة.

ازدحامٌ في المحطة، راكبٌ متأخر يسابق أنفاسه ليصل الموقف قبل لحظاتٍ من مغادرة الباص، كنت أنا هذا المسافر اللاهث ذات مرة. حشدٌ من الأصدقاء، يلوحون لمسافرهم، يصرخ أحدهم "عُد قريباً" يرد مسافرنا الليلي الغريب عن المدينة بشجن "سأعود" كنت هذا المسافر أيضاً ذات طوكيو. يكمن سحر طوكيو في كونها مؤقتة وأن لحظاتي فيها معدودة ومكثفة، أتشبث بها حتى آخر رمق، أتنفسها بعمق، أحتفظ بها في داخلي أطول وقت ممكن ثم أغادرها على نية الاشتياق.

وفي الصباح التالي يصل باصي إلى محطة كيوتو على موعده ومعه تعود دورة الحياة إلى ما كانت عليه، ولكنني لا أعود أبداً إلى ما كنته. أتمعّن في وجوه الركاب في طريقي إلى المنزل وأفكر "يا ترى كيف كانت رحلتك، أيها الراكب الغافي المختبئ خلف حقيبته؟ اروِ لي".

اليوم أنا في برلين، المدينة الحلم، المدينة المستحيلة. لم تكن رحلتي إليها سهلة البتة. لم تكن برلين مضيافةً!

رفضتني بجفاءٍ لخطأ بسيطٍ في طلبي، كلفني هذا الخطأ من الوقت واللوعة صيفاً بأكمله. وذات أربعاءٍ تائه رن الهاتف، مبروك! نال طلبُكِ الموافقة، نتمنى لكِ إقامةً سعيدةً في ألمانيا! غار قلبي بين ضلوعي.

*
الحزن للفرح كما الملح للسكر، يبدوان صنوين للوهلة الأولى، فهما، بدون شكٍ، من الطينة نفسها، شريكان متواطِئَان في لعبةٍ أبدية نخوض غمارها باعتدادٍ وشجاعة لنلعبها، فتلعبنا.
قليلٌ من الملح في حساء "الزينزاي" الياباني الشتوي يزيد من حلاوته.
ثِقٓلُ الحزن يوازن خِـفّـة السعادة.

يحضنها برفقٍ ويعيدها إلى الإيقاع الهادئ المتزن الذي ترقص على وقعه أيامنا.
*

اليوم في برلين تستَعِرُ حمّى العيد، الزينة في كل مكان، أسواقُ الميلاد البهيجة، وحشودٌ من المحتلفين ينتظرون بلهفةٍ انتهاء الموظف من لف هداياهم ليتلقوها بفرح و يخبئوها في انتظار الليلة المجيدة. واليوم أشارك للمرة الأولى منذ سنين في مهرجان "العيد"، كم هو جميل العيد!

اليوم اشتريتُ أنا أيضاً هدايا ولففتها بورق ذهبي ووضبتها بعناية في حقيبتي السوداء. وبلهفةٍ جررتها إلى المحطة، ومن أمامي ومن ورائي مسافرون، مثلي.. يجرون حقائبهم العامرة وفي قلوبهم ما فيها من فرح، ربما، أو خيبة أو ترقب لما ستكون عليه هذه الإجازة. لكنهم على أية حال، يحثون الخطى باتجاه محطة الباص المركزية في غرب برلين. وهناك يتوزعون على مواقف عدة لمدنٍ مشهورة كهامبورغ ودريسدن على عكس وجهتي، آلن.

أين تقع هذه الـ"آلن"! لماذا آلن؟

أعرف عنها أنها "ضيعة" ألمانية غارقة في جنوب البلاد بين حاضرتي ميونيخ وشتوتغارت، الأكثر شهرة منها. كانت آلن في مخيلتي كلمة من عنوان ابنة خالي الألمانية التي اعتدت مراسلتها في صغري لأخبرها عن تفاصيل حياتي اليومية في دمشق فتخبرني عن مدينتها الصغيرة آلن. من آلن يعود خالي مراتٍ عديدةٍ في السنة وفي جعبته الكثير من القصص.

سمعت أن بيته على هضبة مرتفعة وأن له حديقة وأن عنده قطين وأن المدينة صغيرة ووادعة. لم تكن طالبة المدرسة الابتدائية التي كنتها في ذلك الحين تعتقد أنها سترى هذه الآلن يوماً. تآمرت مع أختي الصغيرة ذات ظهيرة في دمشق أننا سنذهب إلى آلن يوماً ما لزيارة خالي، وقررنا أن نضع ميزانية مُحكمة ونوفّر من مصروفنا لنسافر! ولكن لم يُكتب لتلك الميزانية العتيدة أن ترى النور على دفاترنا المدرسية.

طريق دمشق-آلن كان من الطرق أطولها وأصعبها وأجملها. لم تكن محطّاته مخططة مُسبقاً ولا كانت بمنطقية، بل كانت متناثرةً في زوايا الأرض.

أشعر بالغبطة على مشارف هذه المدينة لأنني في هذا العيد، وللمرة الأولى، لن أكون وحيدة. في لهفتي للقاء خالي بعد سنين خمس من الغياب أتذوق مرارة العزلة والوحشة والبُعد الفج الذي عشته طويلاً، والذي ما زال طعمه اللاذع على شفتي. كان لا بد من كل ما كان ليكون الحال على ما هو عليه اليوم.
بعد دقائق قليلة سأصل إلى محطة صغيرة وسأرى على رصيفها خالي مبتسماً.

سيصل هذه القارة العجوز اليوم، كما كل يوم، سوريون كثر. لن يجدوا من يستقبلهم في محطات الشتات، لا وجوه مألوفة ولا أقارب. فيما يرتقب سوريون آخرون عبور قوارب وباصات وقطارات ليطئوا شاطئ الأمان.

لا، لن يتمكن العجز مني اليوم..
اليوم عيد..
العيد فرح..
والفرح، كما الحب، مقاومة.

أسحب حقيبتي من الرف العلوي، أنفض عنها الأسى..
أترجل..
ألوح كطفلة:
"مرحبا خالو"!
لقد وصلت.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.