المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ليلي البلوشي Headshot

"المكتبة" و ما أدراك ما "المكتبة"؟!

تم النشر: تم التحديث:

"لم يرسَل أحد إلى الجحيم من قبل لأنّه هجر القراءة".. تقرأ بلذة مرعبة هذه العبارة التي وردت في إحدى سطور رواية المدهشة "المكتبة" للروائي الصربي زوران جيفكوفيتش، ترجمة نوف الميموني من إصدارات دار أثر.

هذا الكتاب لذيذ بكل معنى الكلمة وثقلها، هذه الرواية القصيرة التي تقع في 122 صفحة مجنون مؤلفها، خياله مغامر، بل سعى من خلال حكاياته إلى جلب الشوق والمغامرة والغرائبية في كل فصل من فصولها المعنونة وفق تصنيفاتها غير أن كل تلكم الحكايات و العناوين يستظلون تحت ظل أمهم "المكتبة"، ففي الفصل الأول، بل هو ليس بفصل بالقدر الذي يشعر معه القارئ أنه يطالع حكاية مستقلة عن نوع من أنواع المكتبة التي اخترع تفاصيلها الروائي من معين خياله الجامح، بل أكاد أعترف بأني اعتقدت أنها حزمة من المقالات عن المكتبة وأصنافها لا رواية قصيرة أو مجموع قصص عن المكتبة، و في هذه الربكة التي بعثها الروائي جيفكوفيتش في روح القارئ أراها في صالح الكتاب، فهو يكاد يكون على الرغم من ضآلة حجمه كتاب شامل ويخرج خارج حدود انطباعات القراء، خارج حدود الأجناس الأدبية بحد ذاتها.

في العنوان الأول يجد القارئ نفسه أمام "مكتبة افتراضية" هي مكتبة للمؤلفين، مكتبة ليست عادية بل غريبة، حيث يكتشف أحد المؤلفين الغربيين أن ثمة موقع نشر رواياته التي أصدرها خلال السنوات المنصرمة وهذا يغضبه بشدة؛ فكيف يمكن أن تتاح رواياته التي تعب في كتابتها للقراء مجاناً دون أن يبلغه أحد بذلك بل دون أن يحصل على حقوقه المادية، هذه الحكاية بالتحديد تشعر الكاتب العربي بغصّة عميقة في جوف روحه، وسيسترجع وضعه كمؤلف وحقوقه الضائعة في ظل مجتمع عربي يرى الكتابة ترفاً والثقافة شتيمة، الكاتب العربي الذي إن وجد رواياته متاحة في مكتبة افتراضية فسيشعر بالغبطة المفاجئة؛ لأنّها تتاح لأكبر قدر من قراء العرب، أولئك الغلابة الذين نكأت بأوطانهم وأرواحهم الحروب وشردتهم في صقيع الملاجئ، فإنّ آخر شيء يفكرون في اقتنائه هو كتاب، لذا حين تكون متاحة لهم ومجاناً، فإنّ الخاسر الوحيد في هذه الصفقة هو الناشر، أمّا المؤلف فإنّه في كل الأحوال لا يحصل على شيء مادي البتة، وفي النشر الافتراضي على الأقل سيلملم جمهوراً من القراء كما سيجد المجد الذي لم يتح من قبل للكتّاب من جيل القرن الماضي حيث لم تكن ثمة تقنية تقلب النشر والناشرين وأوضاع الكتب رأسا على عقب!

والمدهش في هذه المكتبة الافتراضية، أنّ المؤلف الغربي سيجد بجانب المؤلفات التي قام بنشرها في حياته وتكون مضللة باللون الأسود جنبا إلى جنب مع مؤلفات أخرى منسوبة له كان قد خلفها ما قبل أعوام موته وتكون مضللة الأبيض، هنا تعقد الدهشة لسانها وبشدة!

و"المكتبة المنزلية" هي ثاني مكتبة يلج عوالمها القارئ، حيث بطلها يفتح صندوق بريده فيصادف في داخله كتاباً، و هي المرة الأولى في حياته يحصل فيه على كتاب دون أن يعلم تفاصيل إرسالها إلى عنوانه، فالكتاب كأنه جاء من تلقاء نفسه و وضع نفسه في بريده، و عبر متابعة الحكاية بلهفة سيجد البطل نفسه أمام الكتاب نفسه، الكتاب الضخم، المعنون بـــ "أدب العالم" في صندوق بريده كلما فتحه خلال يومه الواحد وعلى أيام متواصلة، كميات هائلة من الكتاب نفسه يحملها تباعا إلى بيته الصغير المكون من غرفة وردهة مساحتها ضيقة ومطبخ، سيجد هذا البطل أن الكتب أهم من كل شيء آخر في بيته، فيقوم بإزاحة أثاثه البسيط شيئاًّ فشيئاًّ؛ كي تجد الكتب حيزاً، فتكون له مكتبة منزلية هائلة، لم يكن يتصورها مطلقاً في حياته، تكون هذه المكتبة بيته بإمتياز فلا يكاد يجد حيزا لجسده، لوجوده في عوالمها!

الرهبة الحقيقية التي ستستولي على القارئ كلما خطى في ردهات "مكتبة الليل" حيث العتمة في رهبة الكتب، بطلها قارئ أفزعته فكرة أن يقضي اليومين القادمين من إجازته أمام شاشة التلفاز متقلباًّ بين الحنق والسأم، ولم يعلم أنّ المكتبة التي في طريقه إليها ستفزعه مئات المرات من قضاء الإجازة بلا كتب أو قراءة، خلال وجيب ورهبة الكتب في العتمة يصادف كتابه "كتاب الحياة" كما يقول له أمين المكتبة، ففي المكتبة الليلية الكتب الوحيدة المتاحة للقراء هي كتب الحياة ولكل إنسان على وجه الأرض كتابه في هذه المكتبة، فيتفاجأ البطل بكتاب حياته بين يديه، بخوف يقلب صفحاتها في غرائبية مثيرة من نوعها كأنّها متاهة تاهت فيه دروب حياته!

أمّا في "مكتبة الجحيم" حيث إنّها عقاب، عقاب يوازي علاجاً لأولئك الذين هجروا القراءة في حياتهم، فتكون هذه المكتبة جحيماً لكل آثم هجر كتابا، حيث يرى أمين هذه المكتبة هو أشبه بجلاد فرض عقوبة الحبس لكل مهمل للقراءة "أنّ العالم سيكون مكانًا أفضل لو كان هجر القراءة إثمًا" القراءة هنا هي بمثابة ترميم لأرواح ضالة والجحيم أي السجن في رفوف جدرانه من كتب هائلة هو المكان الأنقى لتطهير هذه الأرواح المعذبة؛ فياله من جحيم عذب!

أمّا القارئ المحظوظ بحق في رفوف رواية المكتبة هو القارئ الذي يكون بين يديه كتاب "أصغر مكتبة" فكم هي فكرة جامحة أن يكون بين يديك كتاب مضمخ بآلاف الحكايات والغرابة كلها أنّ هذا الكتاب الحاوي للحكايات لا تكرر الحكايات نفسها بل تخترع في كل مرة حكاية مختلفة حين تفرغ من قراءتها وتغلق الكتاب، وفي حال ظل الكتاب مشرعاً، فإنّ الحكايات لا تتبدل بل تظل على حالها، والحكاية التي تضيع بعد قراءتها تمحى تمامًا من ذاكرة الكتاب والعالم لن يعرف بها، سوى من قرأها وقلّب صفحات الحكاية؛ لذا هي صفقة جيدة للاحتيال، لنسخ تلك الأحداث بكامل جملها وأنفاس شخصيّاتها وأطوارها على أوراق بيضاء حتى آخر نفس الحكاية، حتى آخر نقطة ثمّ ببساطة تامة تضع اسمك على غلافها، دون أن يعلم أي كائن حي ما اقترفته، أنت الشاهد الوحيد والمتوحد، هذا الكتاب مسكون بلا شك!

التجوال ينتهي في "المكتبة النفيسة" يشبهها الروائي بالمعدة التي على الإنسان أن يحرص أشد الحرص على ما يدخل في جوفها، ففي كل رفّ من رفوف مكتبتنا مكان للكتب النفيسة التي تنبذ فكرة وجود كتاب رديء في زواياها أو هكذا نخاله، معلقاًّ كشخص ضال! البطل في هذه القصة التي تكاد تكون فكرتها مستهلكة نوعا ما؛ فقد سبق وتناولت قصص أخرى بل أفلام أيضًا فكرة الكتاب الذي يرفض مغادرة مكتبة ما مهما جاهد قارئها في التخلّص منه بشتى الطرق، ولكن كل محاولاته تذهب سدىً، ولكن مهلاً قبل أن نوصمه بالاستهلاكيّة علينا أن نتريّث قليلاً حتى نصل إلى ختام هذه الحكاية، الكتاب نفسه الذي يلتهمه في النهاية، ورقة ورقة، مكتبة مكتبة، كل مكتبة على حدة هناك في أبدية معدته تستقر، هذا الكتاب هو رواية "المكتبة" وهنا خلطة الاختلاف والتمايز والصدمة أيضا. أثناء تجوالي في رفوف هذه "المكتبة" الرهيبة بأنفاس الصعداء لروعة حكاياتها وغرائبيّتها كان طيف الروائي الياباني هاروكي موراكامي يحلق فوق رأسي أثناء القراءة، كان طيفه يكركر من الضحك الخبيث، فهو يحب هذه الأنواع من الحكايات الغريبة بل سبق وكتب رواية قصيرة عن المكتبة وعنونها بــ "المكتبة الغريبة".

هذه التدوينة تم نشرها على موقع جريدة الرؤية العمانية للاطلاع على النسخة الأصلية اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.