المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ليلي البلوشي Headshot

حين تكون الكتّابة تبريراً!

تم النشر: تم التحديث:

كنت قد تساءلت على صفحتي في فيسبوك عن أمرٍ يثير استغرابي منذ مدة، تكاد تكون أقرب لظاهرة لمستها بنسبة كبيرة وبشكل جليّ عند الكتّاب العمانيين، فخلال أيام معرض مسقط للكتاب حين كانوا يعرضون صوراً لأغلفة كتبهم، أو قصاصات مضمونها إطراء لهم وعن أعمالهم التي تصلهم من الآخرين يضعونها مع عبارة "تبرير".

وهذا الأمر الذي يتكرر باستمرار يدعوني إلى التساؤل باستغراب يوازي استغرابي من المسألة بأسرها، فلماذا يشعرون أن عليهم أن يبرروا؟ ما العيب حين يعيد الكاتب نشر رأي جيد عن نتاجه الإبداعي أو الفني؟ ما الخطأ حين يضع قصاصة تروّج لكتابه أو أدائه المميز في أي مجال من مجالات الحياة؟!

يرى بعض الكتّاب في عُمان أن البعد الاجتماعي والنفسي لدى الكاتب، هو سبب من أسباب تجنبه عرض كتبه، وعدم ثقته بنفسه أيضاً، ناهيك عن الخطاب الإعلامي الذي قزّم من دوره، وأهمية ما يمارسه من فعل الكتابة، بينما يرى آخرون أن الكتاب الذي لا يسوّق لنفسه فلا فائدة منه!

مهما تباينت الآراء حول عرض الكتب من عدمها تظل عملية "التبرير" التي يتوارى خلفها الكاتب، كلما نشر أغلفة كتبه أو أشار إلى القراء عن أماكن تواجدها في دور النشر، فهو أمر يحتاج إلى تصحيح وتأمل طويل أيضاً، فنحن في عالم تسويقي بامتياز والجميع فيه يسوّق عن نفسه، الشركات الكبرى، منتجو الأفلام، صالونات التجميل، دور الأزياء، تاجرات الانستغرام، حتى الأفراد باختلاف تخصصاتهم واهتماماتهم، عرفوا جيداً كيف يصنعون من الصورة حدثاً تسويقيًّا، فما المشكلة حين يروّج الكاتب لنفسه بلا عبارات تبرير يلجأ إليها، كأن ما عرضه يقلل من شأنه أو احترامه؟

أما الحكم فسيظل أبداً للقارئ، الأدب الذي يستقي أحكامه على معيار الذوق -شئنا أم أبينا- من أهم معايير تقييم الأدب هو الذوق، والأذواق تظل متباينة، وهذا أمر متوقع تماماً ويعيه الكاتب جيداً؛ نظراً لاختلاف مستويات التفكير والوعي القرائي، والمنتج الكتابي يسقط حقوقه حين ينتظر الكاتب صديقاً أو عابر مصادفة يصل لكتابه.

ربما الكتاب يلقى صدىً محليًّا في ظل محيط كاتب ورفاقه، لكن يحدث كثيراً ألا يجد قارئاً واحداً خارج حدوده، في زمن فيه الكاتب العربي ليس محظوظاً كالكاتب الغربي، الذي يذهب بعد طباعة كتابه في جولات حول العالم؛ مسوّقا كتابه، عارضاً أفكاره، مناقشاً إياها مع قرّاء من جميع أنحاء العالم، مع ناشرٍ يدعمّه في كل خطوة من مشواره الكتابي..

العملية هنا أشبه بمؤسسة يكون فيها الكاتب والناشر شريكين غايتهما واحدة، للقارئ الذي يقتني نسخته من الكتاب ويقرأ، الكاتب الذي يجني ملايين الدورات من طباعة كتاب واحد، لاسيما حين يكون أكثر مبيعاً بمعايير منصفة وحقيقية، ليست وهمية كما يحدث في عالمنا العربي ويكون ضحيتها القارئ الضّحل، والتي لا تجلب للكاتب العربي سوى شهرة مؤقتة سرعان ما تتبدد مع الوقت، أما كل حصص الربح من هذه العملية التي قوامها النصب والاحتيال هي للناشر، الذي اختصر غايته في بيع النسخ وتثقيل محفظته إلا من رحم ربي!

كتّاب الغرب هم من رفعوا من منسوب القراءة، هم من جعلوا القراءة أمراً مألوفاً ومهنةً، وتمكنوا من إخضاع الناشرين لشروطهم، الناشر الذي يعي جيداً أنه يعيش بفضل ما يؤلّفه الكاتب، الكاتب الذي جعل القراءة واقعاً على نفسه أولاً، ثم على مجتمعه، حتى الذين لا صلة لهم بالكتابة والكتب، هي شعوب تقرأ ببساطة؛ لأنهم يؤمنون بجدوى القراءة ويقدّرون الفكر والكتابة كجزء مهم من واقعهم المشحون بكل شيء..

بمعنى أنه على الكاتب العربي أن يعمل لوحده لا سيما حين يكون خارج منظومة الشلل الثقافية، ألا يكفيه من بؤس في العالم العربي من مقص الرقابة.. من استغلال الناشرين لحقوقه ككاتب.. من مجتمع يعدّ الكتابة مضيعةً للوقت؟!

من هنا أقول بأن الإطراء الطيب الذي يصل الكاتب العربي من العابرين، المجهولين، المحبين، أصدقاء الكلمة والحياة والكتب هو نوع من المكافأة لجهوده ككاتب، هو الجَني الوحيد من صفقة خاسرة!

لذا عليه أن ينصف نفسه حتى ينصفه المجتمع، لتكن الكتابة واقعاً مألوفاً، والقراءة واقعاً اعتيادياً في عالمنا العربي الذي اعتاد على الحروب ولم يعتد بعد على القراءة، الذي ألَف رؤية القنابل والمدافع والرشاشات ولم يألَف بعد رؤية كتاب يسوّقه صاحبه، على الرغم من أن أول كلمة نزلت على النبي الأميّ الأمين هي كلمة "اقرأ"!

لتكن القراءة أساساً في هذه الحياة المكتظة بكل شيء!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.