المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ليلى مديحي  Headshot

تطوير المهارات من أجل بناء المجتمعات

تم النشر: تم التحديث:

لقد مُنِحَت لي الفرصة للذهاب إلى المدرسة والتخرج من إحدى الجامعات الحكومية بالمغرب. التعلّم كان فُرْصة لي كفتاة، كنت بين القلائل الّذين ذهبوا بعيدا في دراستهم، بين أفراد عائلتي.

ولكن ما حدث بعد التخرج هو الذي شجعني على تكريس نفسي للابتكار الاجتماعي، وخاصة على مساعدة الشباب المغربي العاطل على العمل، آملة في التمكن من إقناع شباب آخرين، مثلي، باتخاذ نفس القرار.

منذ سنوات، عندما تحصلت على شاهدتي الجامعية، اعتقدت أني تخطيت المرحلة الصعبة. ولكن الواقع داهمني، المستقبل الذي كنت أتطلع له كان بطيئًا بالمجيء. في الواقع، مثل أي طالب جامعي شاب، كنت أتطلع إلى مستقبل زاهر وكانت نقطة الانطلاق بالنسبة لي العثور على وظيفة.

بدأت بإرسال سيرتي الذاتية وطلبات العمل، مثل أي متخرج شاب، معتقدة أنه "مع شهادة الماجستير، الحصول على وظيفة سيكون سهلًا. من سيقول لا؟ أنا حاصلة على شهادة الماجيستير."

خطأ كبير!
رغم شهادتي الجامعية، بدأت بتلقي الإجابات السلبية وفي بعض الأحيان، لم أتلقّ إجابات قطّ. وقد أثرت هذه الوضعية سلبًا على شخصيتي وخاصة على ثقتي بنفسي. بدأت أشكّ بنفسي، واختياراتي الجامعية، وقدرتي على العمل وتحقيق أهدافي. ولكن، ما فاجأني أنّني لم أكن وحدي في هذه الوضعية، فقد كان زملاء الدراسة والعديد من الأصدقاء يواجه نفس التحديات.

وسعيًا منّي للخروج من هذه الوضعية، تابعت دروسًا بدورة تدريب على العمل بجمعية خيرية. بدأت دورة تدريبية هناك لمواصلة التعلم، رغم أنّني لم أكن أفكّر مطلقًا بالقطاع الاجتماعي عندما بدأت البحث عن وظيفة بالقطاع الخاص. لم يخبرني أحد بأن دورة مؤسسة التربية من أجل التشغيل بالمغرب ستكون تجربة ستغيّر حياتي لأنها جعلتني أكتشف شغفي العميق بالقطاع الاجتماعي.

لم أكن أُعْتَبَر شيئًا ثانويًّا كمتدربة، كما كان الحال بعديد المؤسسات الّتي شاركت فيها بدورات تدريب. بل بالعكس، كنت شريكة فعلية لفريق العمل وهذا ما يوفره العمل الاجتماعي. منذ اليوم الأول، كنت أشارك في العمل اليومي وكانت لي مهام كنت مسؤولة عنها.

بغض النظر عن شهادتك الجامعية أوخلفيتك، بمجرد دخولك المجال الاجتماعي، يجب عليك أن تقوم بدورك وأن تكون مسؤولًا عنه.

بعد أشهر، تقدمت بطلب عمل مؤسسة التربية من أجل التشغيل بالمغرب وكنت محظوظة لأني قبلت في منصب منسقة مشاريع.

عندما أخبر الناس بأنني أعمل بالمجال الاجتماعي، يعتقدون عادة أنني أعمل هناك أثناء وقت فراغي، أو بأن هذا العمل لمجرّد التّرف وملء الوقت وأنّه يفتقر إلى المسؤولية والأهداف الدّقيقة والمواعيد المحدّدة.. فهذا العمل لا يعتبر وظيفة فعليّة عند العموم.

دعوني أقل لكم إذن شيئًا مهمًّا: العمل بالمجال الاجتماعي وظيفة مثل كلّ الوظائف الأخرى.

هو وظيفة توفر فرص تعلم أكثر من أي مجال آخر. هو وظيفة أواجه فيها تحديات يومية، حيث لا بد لي من تقديم الأفضل ليس فقط لنفسي بل للآخرين أيضًا وحيث أعمل من أجل قضية.

إن عملية التعلم بالمجال الاجتماعي فعالة، وقد تكون التجربة المهنية المكتسبة بهذا المجال أكبر من التجارب بكبرى الشركات الدولية.

في المجال الاجتماعي، تعلمت أهمية العمل بروح الفريق وأهمية الابتكار لإيجاد الحلول. تعلمت عدم ادّخار أي جهد لتحقيق الأهداف المرسومة لأن هذه الأهداف لا تعنيني فقط، بل ترنو لتحقيق عيش أفضل للآخرين. لقد منحني هذا العمل فرصة لتطوير العديد من المهارات والاعتماد على النّفس.

إنّ العمل في مؤسّسة صغيرة، حيث تتداخل المهامّ، يمكّنك من الاضطلاع بمختلف المسؤوليات ويمنحك الفرصة للتّعرّف على العديد من الأشخاص والشّركاء. وقد ساعدني هذا في تطوير مهارات الاتّصال، حيث عليك أن تكون مستمعًا جيّدًا لما يقوله الآخر كما تتطوّر لديك القدرة على التّصرّف والقيادة وكذلك التّفاوض.

كما كانت لي فرصة التعرّف على قادة وروّاد تغيير وكذلك الانصهار في صلب برامج عالميّة تسعى إلى الارتفاع بمستوى عيش العديد من الأشخاص.

ولعلّ هذا التّأثير على الآخرين هو الّذي يعطي العمل أكثر جاذبيّة. فلا يمكن أن أجِد أكثر شحذًا للعزيمة وإراحة للنّفس من أن أستيقظ كلّ يوم وأنا مدركة أنّ عملي سوف يؤثّر إيجابيًّا على حياة الكثيرين. ولقد توفّرت لي عديد المرّات فرصة قراءة ذلك على وجوه المتدرّبين في برنامج مؤسسة التربية من أجل التشغيل بالمغرب الّذين تحصلوا على وظيفة بفضل هذا التّدريب والعمل يعني أيضًا الكرامة والحرّيّة.

كم شخصا سنحت له الفرصة لرؤية هذا؟
إنّ العمل في الحقل الاجتماعي بالنسبة لي، ليس فقط الكفاح من أجل غاية نبيلة.. بل كذلك خاصّة، العمل يوميًّا في حقل أعشقه ويلائم اهتماماتي.

لقد شاركت المتدرّبين ضحكاتهم ودموعهم، مشاقّهم وأفراحهم. فهم، بالنّسبة لي، ليسوا مجرّد متدرّبين غرباء أو قائمة أسماء على قاعدة بيانات. لقد أصبحوا أصدقائي، إخوتي وأخواتي.. إنّهم عائلتي في كلمة واحدة.

وخلال عملي بالمؤسسة الاجتماعية، بدأت رحلة تغيير ونمو وأنا متيقّنة أنّه، مثلما يقال: إنّ القادم أفضل.. كما أتمنّى أنّ ينخرط شباب مثلي في هذه الرحلة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع