المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 لمياء أحمد الدلحي  Headshot

لعنة الزواج

تم النشر: تم التحديث:

كثيرون هم من رأوا في الزواج رحلة عبور لواقع أفضل، قرروا الهروب من روتين أو معاناة أو حتى أسئلة متكررة تحرجهم، آخرون اعتقدوا أن بلوغ سن محددة دون إيجاد شريك هو كارثة مدوية يجب التخلص منها بشتى الطرق وبأسرع وقت ممكن، نوع آخر فرض عليه الأمر؛ لأنه غير قادر على مواجهة ذويه أو اتخاذ قرارات جدية في حياته، فقرروا عنه، وارتأوا أن يزوجوه لتحصينه من شر الحرام، وضمان مستقبله واستقراره، هناك أيضاً من ظنوا أنهم واقعون في الحب حقاً، لكن وراء تلك المشاعر الظاهرة تكمن رغبات شديدة في تغيير الطرف الثاني بمجرد الاستحواذ عليه، إضافة إلى من يبحث عن خادمة أمينة تخدم بيته وبيت عائلته مدى الحياة بموجب عقد الزواج، ومن يريد تمويلاً وإعانة مادية من راتب امرأة يحتكرها لنفسه، تعددت أسبابهم، لكن زواجهم واحد، زواج رتيب روتيني بأسلوب حياة لا يحمل منها شيئاً غير الاسم، عادة ما تكون الأشهر الأولى وردية تحمل الكثير من العواطف والرغبات الجياشة، ثم فجأة وبمرور الوقت تسدل الستارة على حين غرة؛ لينكشف المستور و تتعرى الحقائق،

يتبدل الوردي إلى رمادي؛ ليمر بمختلف الدرجات حتى يصل للسواد القاتم، هنا تكثر الاتهامات ويشعر الطرفان أنهما مخدوعان، كأنهما شخصان غريبان تماماً عن بعضهما البعض، تصبح مسيرة الحياة المشتركة صعبة، إن لم نقل إنها مستحيلة، لم يعد هناك مجال للتمثيل والخداع، أضحى كل شيء جلياً، تكبر الفجوة بينهما يوماً بعد يوم، ويزداد النفور، ثم يصلان لمرحلة الفصل، إما يتحليان بالشجاعة ويقرران الانفصال؛ ليبدأ كل منهما حياة جديدة أو يختارا سبيل الجحيم الذي سيربطهما مدى الحياة ويكملا المشوار معاً خوفاً من مواجهة الناس ومواجهة نفسيهما، لا يملكان القدرة على الاعتراف بالفشل، فيفضلان الاستسلام والركود في حياة أقل ما يقال عنها إنها بائسة، يتحججان بلم الشمل وتربية الأبناء، لكنهما في حقيقة الأمر يقومان بتدميرهم، لا يوفران سوى المأكل، والملبس والتطبيب، لكن ماذا عن ذاك الترابط الأسري؟

ماذا عن الحب الذي يملأ جدران البيت في تناغم جميل؟ ماذا عن البسمة والأمان والاهتمام؟ ماذا عن تربية سليمة تنشئ جيلاً سليماً؟ لهذا السبب بالذات لا تتسرعوا في اختيار شركائكم، هنا الأمر يختلف عن عملية اقتناء ملابسك التي سترتديها، أو العطر الذي تريد أن تجربه، ومع ذلك قد تأخذ الكثير من الوقت قبل أن تقرر في هذا الجانب، فكيف لا تتمهل في انتقاء شريك حياتك الذي سيكمل معك المشوار بحلوه ومره بكل لحظاته وتفاصيله؟

كيف يعقل أن يضحي المرء بنفسه وأبنائه تحت مسمى الزواج؟ هل اللقب مشرف إلى هذا الحد حتى يتم التفاخر به؟! لا ننكر أنه في عالمنا العربي يعد إنجازاً عظيماً خاصة بالنسبة للفتاة التي كبرت وتشبعت بفكرة إنشاء الأسرة والطاعة والستر، يتم تدمير كل صور الإبداع والنجاح فيها؛ ليصبح أقصى أحلامها الزواج من أجل الزواج، والإنجاب فقط، تختزل أحلامها في رجل يظهر كأنه فارس نبيل جاء ليخلصها من براثن العبودية والضغط الذي تعيشه في كنف أسرتها، فتصدم حينها بواقع مرير مغاير تماماً لذاك الذي تخيلته، عزيزتي استيقظي من وهمك وانفضي غبار أفكار بالية زرعوها فيك منذ صغر سنك، الزواج أكبر من أن يكون لقطات مسلسل تركي شاهدتيه، وزوجك ليس ذاك الفانوس السحري الذي يحول التراب إلى ذهب تلبسينه لتتباهي به أمام صديقاتك، أين طموحك أنت؟ أين أهدافك وأحلامك؟ حققي ذاتك أولاً، اكتشفي الحياة بكل مجرياتها، انطلقي وتحرري من قيودك،

املئي روحك بحبك لذاتك، وأشبعيها كي لا تتذللي من جوع عاطفي يجذب لك زوجاً يذيقك ذلاً وحرماناً أكثر، فقط عندما تصبحين على أهبة الاستعداد ادخلي عالم الزواج؛ لتكوني أماً وزوجة واعية تحرزين فارقاً في الكون، تكملين زوجك ويكملك، فتكونان روحاً واحدة في جسدين، تتطوران معاً، هكذا تساهمان في إعمار الأرض بشكل إيجابي، تُربيان بطريقة صحيحة تنتج أطفالاً أصحاء متزنين نفسياِ، كفاكم عبثاً واستخفافاً بالزواج، لقد اكتفينا من اكتظاظ المحاكم وزيادة نسب الطلاق، اكتفينا من رؤية أجيال تائهة لا تحمل قيماً ولا أخلاقاً يعيشون بعقد نفسية وأفكار متطرفة ما ذنب هؤلاء؟! لم تحولوهم إلى وحوش ضارية ثم تشتكون بعدها؟! أرجوكم لا تتزوجوا إن كان اختياركم قائماً على شهوة المال أو الجنس، أو نابعاً من خوف واحتياج، أو مجرد اتباع للسابقين، لا تجعلوا من الزواج لعنة تدمركم وتدمر المجتمع بأسره،

حاولوا تطبيق مفهوم الزواج واستيعابه أولاً حاولوا فهم أنفسكم وفهم شركائكم، ابذلوا جهداً أكثر؛ لتصبح حياتكم أرقى وأسعد، أرجوكم لا تحصروا الزواج في التزاوج فقط، فالزواج متعة، مشاركة، ازدهار وتطور على جميع الأصعدة، هو حرية وانطلاق نحو مستويات أكثر عمقاً؛ لذا حاولوا أن تتزوجوا حتى تمتزج أرواحكم، وتأخذكم لعالم الجمال الذي طالما حلمتم به.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.