المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ليلى دردور Headshot

وماذا عنّا؟

تم النشر: تم التحديث:

هي امرأة تبلغ الخمسين من العمر تقريباً. طويلة القامة، رقيقة السّاقين، رماديّة الشّعر، بيضاء البشرة، زرقاء العينين. أراها كلّ صباح في غرف الرّضّع تعمل في صمت، وإن تكلّمت بلكنتها الأعجميّة فلغاية النّصح والإرشاد.

هي راهبة تأتي منذ الصّباح مبكّرة، حاملة إناء وصابوناً للأطفال، وزيتاً للبشرة. تطوف بين الغرف، تُحمّم الأطفال الذين طال مكوثهم في المستشفى، تلاطفهم، تغيّر ملابسهم وتعطّرهم. وإن لاحظت أيّ أمر جدير بالاهتمام نبّهت الأطبّاء والممرّضين إليه.

تفعل كلّ ذلك تطوّعاً، دون أجر، أو ربّما مقابل دراهم معدودات، لا أدري.

أنظر إليها بامتنان صراحة.. وأتساءل: هل ما تقوم به عمل تبشيريّ؟

هي لا تصرّح بذلك، ولا ترتدي صليباً، ولا زيّ الرّاهبات في المستشفى، لكني أعلم أنها التحقت منذ شبابها بمدرسة الرّاهبات في مدينتي، لم تتزوّج، و"نذرت" حياتها للتّعبّد.

هي تعمل بصمت. أو تفعل ما نسمّيه نحن دعوةً بالأخلاق. انطلقت من مبدأ دينيّ وإنسانيّ.

سمعت تلك الأمّهات يردّدن عند مرورها: "ميشال (صاحبتنا) من دنياها إلى جنّتها".

لن أخوض في المسائل العقديّة. لكنّ كلامهنّ رسم في ذهني صورة ضبابيّة، بالأسود والأبيض، لجدار عازل يفصل زُمرة المتديّنين المسلمين عن باقي المجتمع.

الصّورة قاتمة لا تعكس الواقع بالتأكيد، ففي الأمّة الخير الكثير. ويكفي أن تطّلع على صفحات الإنترنت وبعض القنوات حتى تتبيّن المجهود الجبّار الّذي تبذله الجمعيّات الخيريّة الإسلاميّة وغيرها.

لكنّ الصوّرة منبثقة من رؤية ضيّقة للمسألة، من زاوية شخصيّة ربّما.

أنا أرى تلك المرأة الأجنبيّة تاركة الرّفاهة ورغد العيش في بلدها وزينة المال والبنين.. تجوب قسم الأطفال في بلد من بلدان العالم الثّالث، وأطرح على نفسي السّؤال: وماذا عنّي؟

كنت في البداية قد كتبت: "وماذا عنّا؟"، لكنّي توقّفت وراجعت الفكرة الّتي نبعت بصفة آليّة: نحن لا نستعمل ضمير الجمع إلّا حين نريد التّملّص من مسؤوليّة أو خطأ. نريد أن يتحمّل أحد ما ثقل الذّنب وعتاب النّفس معنا. نريد أن نبرّئ تلك النّفس التّائهة أو أن نخفّف عنها العبء.

لا أدري يا من تقرأ كلامي إن كنت تفطّنت إلى إعادتي لصيغة الجمع (عمداً). فقد كان من الأجدر أن أقول: "أنا لا أستعمل ضمير الجمع إلّا حين أريد التّملّص..."، ولك أن تصلح الباقي، ولك أن تفكّر في الأمر مليّاً وأن تحدّد موقعك إن شئت.

والآن أعود لسؤالي الأوّل: وماذا عنّي؟

لمَ يقتصر الدّين غالباً على عبادات الجوارح؟ لمَ تقتصر المساعدة على مبالغ ترسَل عبر البنوك، دون أن نكلّف أنفسنا "عناء" - والأجدر أن أقول "نعمة" - الاحتكاك بالمحتاجين وسماعهم ومكالمتهم؟ لمَ يبقى الجانب الإنساني مكبوتاً رغم حضوره في القلب بقوَة؟ لمَ يختفي وراء خجل ليس له مبرّر؟ لم يكون مدّ يد العون لإنسان محتاج متعفّف صعباً؟ لمَ ينتظر غالباً من يدفعه ويحفّزه باستمرار رغم تأصلّ الحافز في الفؤاد؟ لمَ نبني جداراً دون أن ندري؟ لمَ لا ينطلق القلب وتنطلق الجوارح بعفويّة وإنسانيّة منبعها حبّ للخير ورغبة في تفريج الكرب؟ ومن وراء ذلك كلّه الطّمع في عفو اللّه وخير جزائه.

أن تكون متديّناً يعني أن تكون إنساناً تحرّكك إنسانيّتك قبل كلّ شيء.

ها قد عدت لأتحدّث بضمير الجمع ولم أكتفِ بذلك، بل انتقلت إلى ضمير المخاطَب! أراني لا أقدر أن أحمّل نفسي كلّ هذا العبء والتّقصير. اللّه المستعان..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.