المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ليلى دردور Headshot

ذكريات منع الحجاب والصلوات السرية في تونس!

تم النشر: تم التحديث:

فتحت عينيها ككل يوم، على مضض. كم تكره صوت المنبه! لم يكن ذلك من باب الكسل ولا العجز، ولكنها لا تريد أن تستيقظ من أحلامها الوردية، نفس الضيق يخالج صدرها كلما استعدت لمغادرة البيت.. ينتظرها يوم طويل وحواجز عديدة.

أطالت المكوث أمام المرآة مثل جميع الفتيات، لكنها لم تكن تفعل ما يفعلن.

كان عليها أن ترتدي تلك الأشياء الغريبة.. لطالما كانت أنيقة.. لم يكن يرد لذهنها يوماً أنها ستلجأ لمثل هذه "الوسائل": قبعة "روبن هود" (كما كان يحلو لها تسميتها)، قلنسوة "الإسكيمو" أوقبعة المغنين الأفارقة؟ كم كانت تمقت ذلك المظهر، خرجت متأخرة كعادتها لتركب تلك الحافلة المزدحمة..

طوال الطريق كانت تفكر في دراستها ومستقبلها، والدتها وعائلتها التي ستتركها لتعيش بعيداً.. في ذلك البلد المجهول حيث ترتدي ما تشاء وتقول ما تشاء دون خوف أو كبت.

وصلت أخيراً.. حثت خطاها تجاه الكلّيّة، أخذت تمعن النظر من بعيد، علّها ترى ذلك الزي الأزرق.. لم يعترضها أحد في طريقها.. لم تجد من تسأله ذلك السؤال اليومي المحرج: هل هناك شرطي في المدخل؟

تسارعت دقات قلبها عند اقترابها من الباب الرئيسي.. أخذت تردد بهدوء ذلك الدعاء الذي لقنتها إياه والدتها: "اللهم اكفنيهم بما شئت، وكما شئت، إنك على ما تشاء قدير.. وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون.. يا رب قني شرهم..".
اجتازت عتبة الباب، فتنفست الصعداء.. لقد مرت بسلام!

لم يدم فرحها كثيراً، فما إن خطت بعض الخطوات حتى سمعت ذلك الصوت: تعالي إلى هنا! أين تذهبين؟
التفتت إليه وأجابته مضطربة: ماذا هناك؟

ـ ألا تدرين؟
ـ لم أفهم.
ـ ما هذا الذي تضعينه فوق رأسك؟
ـ إنها قبعة.
ـ اخلعيها.
ـ ولِم؟
ـ أعلم أنك محجبة، هيا اخلعيها، لا أريد النقاش.
ـ الجوبارد.. سأخلعها حين أدخل القسم.
ـ قلت لك اخلعيها الآن، وإلا أخذتك معي إلى مركز الأمن الجامعي.

تمالكت نفسها عن البكاء، ترددت كيف تجيبه.. ماذا عساها تفعل؟
ارتعدت يداها وهما ترتفعان لتنزع القبعة عن رأسها، بينما كان هو ينظر إليها بفخر.. كم كانت تكره ذلك الموقف!
أفكار عديدة كانت تجول بخاطرها أثناء تلك اللحظة: لن أدخل، سأعود إلى البيت.. ولكنه هددني!
لن أخلعه وليفعل ما يشاء.. لكنهم مجرمون، ليس في قلوبهم شفقة..
وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه؟!

لن يدعني وشأني، ثم إنها ليست أول مرة..
أريد أن تنشق الأرض وتبتلعني! يا رب أغثني!

خلعت القبعة أخيراً، ثم سارت بخطى متثاقلة مطأطئة رأسها.. فأضاف قائلاً بنبرة هادئة غير مألوفة: من هنا فصاعداً لا تخلعي حجابك في الكلّية..
لم تفهم قصده، لِم طلب مني ذلك إذن؟ هل كان يمتحنني؟

تسرب أمل مشوب بحذر داخل قلبها الحزين، لكنه سرعان ما تبدد حين أتم جملته ساخرا: بل اخلعيه إلى الأبد!
واصلت سيرها وعيناها مغرورقتان بالدموع.. إلى أن التحقت بصفها

وقفت أمام الباب و دموعها تترقرق، في صمت.
لم تشأ أن يراها أحد في مثل تلك الحالة، غيرت وجهتها كالعادة، و دخلت دورة المياه .

انتظرت حتى خرج من فيها كي تفتح حقيبتها مبتسمة :"لقد نسي أن يفتشني اليوم!"

أخرجت حجابها، غسلت وجهها و غطت رأسها، ثم تسللت إلى فصلها .
كان أستاذها من حسن حظها لا يأبه لشكلها أو لباسها ... جلست تتابع الدرس، إلى أن حان وقت الإستراحة.
مكثت في مكانها كعادتها فهي لم تكن لتجازف بالخروج من جديد. لحقت بها شريكتها في النضال، كما كانت تسميها، فروت لها ما حدث معها مثل كل مرة.

حاولت مواساتها فأخرجت من حقيبتها إسطوانة كُتب عليها عنوان فيلم عربي .

نظرت إليها باستغراب : تعرفين أنّ ذلك لا يستهويني!

أجابتها مبتسمة : ومن قال لك أن ما كُتب صحيح؟

ثم همست : إنها دروس عن السيرة النبوية تحصلت عليها من صديقة.

أخذتها بامتنان و أخفتها بحرص وبعد انتهاء الحصة الصباحية، ذهبتا معا لتناول الفطور ثم ... الصلاة ! كانت تلك أشق اللحظات عليها!

كان عليهما أن تتسللا الواحدة تلو الأخرى دون أن يراهما أحد إلى الطابق السفلي، قرب المخبر "المهجور" ... كانت هناك زاوية حيث توضع الطاولات والكراسي المكسرة.

فرشت أوراقها على الأرضية وشرعت في الصلاة بينما جلست صديقتها تراقب المكان كي تنبهها في حال قدوم شخص ما .كان عليهما أن تصليا بالتناوب و غالبا دون اطمئنان.

مر كل شيء بسلام وانطلقتا من جديد إلى فصلهما.
مرت الساعات، كانت تتابع بجد، فتنسى كل تلك اللحظات العسيرة، تفكر في مستقبل مشرق و بلد حر.فيزيدها ذلك صمودا و عزما ومثابرة .
حان وقت العودة إلى البيت، توجهت إلى البوابة الخلفية، حيث لا يوجد أحد عادة ، لكن حدث ما كانت تخشاه!

اعترضها القيم العام للكلية، رجل طويل القامة، قوي البنية، حدّق إليها بعينيه الواسعتين فاستشاط غضبا : ألم يتفطن لك أحد وأنت على هذه الهيئة ؟! تعلمين أن الزي الطائفي ممنوع ! كم أكرهكنّ!

نظرت إليه في حيرة وألم دون أن تنبس ببنت شفة.

"أتدرين لِم ؟ لأنكن إما أن تزججن بي في السجن أو أن تدخلنني النار ! هيا اغربي عن وجهي"

انصرفت باكية، و هي تردد : حسبي الله و نعم الوكيل.
لقد طفح الكيل!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.