المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ليلى جاسر سلامة Headshot

أصابع من ذهب لاجئة في ميريلاند تغتال "جوكر الحرب" في لوحات فنية

تم النشر: تم التحديث:

إنّ الحروب والنزاعات لا تعرف الصمت، تثرثر كثيراً! علّها يوماً تُصابُ بالخرس! هي تلك الطاحونة التي تطحن كل شيء في طريقها وتلتهم بافتراس وتخلّف وراءها "أطفال المآسي الممتدة، اللامكان، اللاهوية، اللامصير، أطفال الأماكن المتعددة والأزمات المتكررة، هم أطفال بلا حقوق وبلا طفولة". ما علق في أذهانهم من صور عقيمة مرتبط بمعاناتهم، لا يستطيعون أن يتحرروا -حتى لو بعد أعوام من التأهيل النفسي والاجتماعي- من سيطرة جوكر الحرب.

جوكر الحرب في المنطقة العربية، هذا الشرير اللعين "متعدد الوجوه" يعتقد أنّه بطل الحكاية، إلّا أنه في الحقيقة يتوارى مع خيبته كلّما خرج طفل من رحم أمه ضاحكاً هازئاً بالمجانين أمثاله المصابين بهوس القتل والدمار. هو يفنى، أمّا هم فباقون! يحاول أن يسلخهم عن هويتهم، أن يقتلعهم من جذورهم، يريدهم أشباهاً له بلا تاريخ ولا هوية ولا جذور أو ملامح، يستعرض قوّته المدمرة من خلف ستار، لا يظهر على حقيقته، كلّما حاول أن يصنع جيلاً مكتئباً مختلّاً نفسياً يتصادم مع ذاته وعالمه، يصطدم هو في مرآته ليرى "أطفال أشباح" أكثر قوة يلهون ويعبثون في عقله المظلم وخلاياه الفاسدة بالإنتاج والإبداع والتسلّح بالعلم والمعرفة.

أطفال النزاعات يخرجون إلى الحياة بقوة، قلوبهم تنبض بالحب والأمل، يهزأون من فشل "الجوكر" في تقويض همّتهم للانطلاق. ورغم أنّه يتغلغل في غرف نومهم، بين ألعابهم وكتبهم، وفي دفاتر الرسم، بأقنعته المتعددة يثير الفوضى في مدارسهم وحدائقهم ودور العبادة والمستشفيات، فإنه فاشل أمام تمسكّهم بالحياة! لا يمكنه أن يحرمهم من حقهم في التعليم، ففي غزّة يذهبون إلى مدارس دمرتها طائرات الاحتلال، صارت بلا جدران أو مقاعد، ولكن السبّورة أصرّت على البقاء من أجل حق أطفال غزّة بالتعليم، هذه المدينة دمرت مرّات ومرّات عديدة، ولكنّ "جوكر الحرب" هناك لم يستطِع أن ينال من إرادة الأرض والإنسان، وإرادة الأطفال! حتّى أطرافهم المبتورة موصولة بالأمل، تلك الوجوه التي احترقت تحوّل الغل والحقد إلى تصميم على انتزاع الحق بالحياة. أطفال الحروب والنزاعات في هذا العالم الجديد المصاب بالتوتر، مسلّحين بقوى خارقة في مواجهة اليد التي تغتال.

وأمّا مشهد الحرب في سوريا فأصبح اعتيادياً "كارثة تاريخية" كبقية المنطقة، الجوكر يتمختر في أحياء المدينة المنكوبة كالمعتوه، الأطفال يتربصون له بعزم! فمنذ عام 2011 خرج إلى الحياة ما يقارب 4 ملايين طفل سوري، ولدوا في زمن الحرب، منهم ما يزيدُ عن 800 ألف طفل صاروا لاجئين، وما يزيد عن 300 طفل ولدوا في دول اللجوء لا يعرفون أرضهم "سورية"، وذلك حسب تقديرات صادرة عن اليونيسف. يفرّون في جموع عبر الحدود، أو كأكوام في قوارب متهالكة، وحده استطاع أنْ يهزّ وجه المسخ، افترش إيلان الكردي رمل البحر، مدّ ذراعيه، وحذاءه في وجه المقامرين المقنعين، إيلان من "أطفال الشواطئ" نام في سكون الليل نومه الأبدي حتى لا يمنح الجوكر فرصة التلذذ بموته في مدن الدمار. ثمّ أتى بعده "عمران" المعفّر بتراب الأنقاض وركام الحرب، ملامح وجهه الساكنة كانت تحدّق بأتباع الجوكر على اختلافهم، معلناً بذلك أنّه إنْ كان في حالة صدمة فهو لا يعرف الخوف، إذ لم يستطِع القصف أن يوقف نبض قلبه.

في العراق وسوريا يتخلّف الأطفال عن المدرسة خوفاً من الخطف والاتجار بهم لأغراض شتّى، وأطراف النزاع في كلا البلدين المنكوبين تتبع أسلوب التلقين العقائدي لتجنيد الأطفال وتدريبهم على القتل وتنفيذ الإعدامات. وحسب اليونيسف يعتبر جنوب السودان موطناً لثاني أعلى نسبة لتخلّف الأطفال عن المدرسة، حيث لا يستفيد 59% من الأطفال من حقهم في التعليم الابتدائي بسبب الصراع.

يركز علماء النفس على البعد النفسي، ويرون أنّ الصدمة النفسية تعدّ من أكثر الآثار السلبية للحروب انتشاراً بين "أطفال النزاعات"، فهي ليست مجرّد سوء تغذية، إنّما ذاكرة لا يمكن تفريغها من صوت صفّارات الإنذار، وقصف الطائرات، والدبابات، أطراف النزاع من الجنود، والميليشيات والتدخلات الخارجية، وكل ما يرافق حالة الحرب. يتشابه "أطفال الحروب واللجوء" في أنهم لا يقبلون على الحياة بشكل طبيعي، يعانون من مشكلات عصبية ونفسية تتطلب زمناً طويلاً لمعالجتها، فالآلام المخزنة في ذاكرتهم وفي حواسهم تؤثر على قدراتهم العقلية، وتسبب حالة كبت للمشاعر، تنمي إنساناً عصبياً ومنطوياً، طفلاً لديه تخلّف معرفي ونفسي وصحي واجتماعي.

والسؤال: هل سيشفى أطفال سوريا ولبنان والعراق وفلسطين من الاضطرابات النفسية؟ ربما لا!!

عندما يكون الفنّان الصغير "لاجئ حرب"، كيف يمكن له أن يترجم فكره وإبداعه دون أن يستحضر مشاهد الدمار والقصف والعبث بالأرواح؟ هل يمكن لأطفال النزاعات أن يجدوا أمكنة ومساحات أخرى خالية من جنون الإرهاب والعنف الممنهج وتجّار الحروب الأشرار في لوحات صامتة؟ هل بإمكانهم أن يخلقوا "مناطق خضراء" في عقولهم بعد كل ما شهدته الحواس الصغيرة من تشوهات.

لا يعتبر الفنّان عبّاس نفسه مجرّد رقم ملف في مفوضية اللاجئين، ولكن لوحات بناته الثلاث: كبرى، حنين وآية ملأت جدران مبنى المفوضية- في عمّان- المتخم بمآسي الهاربين من الحرب. ترك العراق وأحياء بغداد الملهمة بحثاً عن مكان آمن من أجل أن تعيش بناته الصغيرات حياة طبيعية.

حنين عبّاس تفرّغ آلامها النفسية في لوحات فنية وجداريات، ترشق الألوان وكأنها تصفع كل الذين عثوا فساداً في أرض العراق أو كأنها تبصق في وجوههم. كبرت مثل بقية "أطفال النزاعات" قبل أوانها، لديها فلسفة خاصة عن الحياة، ومن خلال فن الرسم ترى وجوه أطفال العراق تشبه ملامح وجوه أطفال سوريا، ولبنان، وفلسطين، والصومال والسودان، واليمن وهي ملامح متكرّرة لا تنسى.

في دردشتي الفيسبوكية الفكرية مؤخراً مع كبرى عبّاس، الفتاة التي أصبحت لاجئة في عمر التاسعة، قالتْ لي: "نحن هنا في ميريلاند نعيش من قلّة الموت، لكننا نلجأ إلى الرسم، نصنع هويتنا في لوحات فنية مضادة لمشاهد الحرب".

أمّا آية وهي الصغرى، ففي عام 2003، أصبحت لاجئة في عمر السابعة غير مدركة لمعايير الحرب وتبعياتها، وما أذكره عنها، أنّها انقطعت عن المدرسة لفترة، فقرّر والدها أنْ تتعلم الفنون القتالية في الأردن لتدافع عن نفسها من بطش المتنمرين في المدرسة الذين كانوا يتعرضون لها بسبب اسمها الذي يحمل إيحاءات دينية. وبين الفنون القتالية وفن الرسم علاقة وثيقة في منهج آية، فكليهما يحتاج إلى أصابع ذهبية.

استطاعت تلك "الأصابع الذهبية" في ميريلاند أن تخنق "جوكر الحرب" في لوحات فنية مليئة بالأمل والحب والحرّية. أصابع ذهبية لم تستمتع ببراءتها وسنوات الطفولة الضائعة التي لطختها مشاهد رعب من صنع مختل عقلي يتلذذ بشهوة العنف. عبثوا به كما عبث بهم، ولكن بفرشاة الألوان التي تتمايل في أصابعهم، يلطخون وجهه كما لطّخ مستقبلهم منذ أن كانوا أجنّة.

وُلدوا لاجئين وانتزعتهم الحرب من طفولتهم لكنهم استطاعوا أنْ يصنعوا هويتهم بأنفسهم، هم أطفال الثقافات المتعددة، الذين يرفضون بحكمة أن يحكمهم المكان والوثائق، الحدود والخيام، سوء التغذية وانقطاع الماء والكهرباء، والانتماء إلى اللاشيء.

العالم بأكمله سينسى مآسيهم الممتدة إلّا "أمهاتهم" لن ينسين أبداً ما فعله "جوكر الحرب" بقلوبهن الصغيرة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.