المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ليلى الموسى Headshot

رُوَيدك عبلة

تم النشر: تم التحديث:

أحببت كل ما يمتّ للعرب والعروبة بصلة، أيامهم، أحاديثهم، ثيابهم وقهوتهم.. بمعنى أوسع أسلوبهم في الحياة.

ومن طبيعتي أن الحماسة تغلبني، فتأخذ بي أيما مأخذ، فلم أشعر إلا وأنا في عقر دارهم.. في صحراء النفود، أشم رائحة الصوف التي نسج منه العربي خيمته، وأسمع صوت النياق التي تنادي صغارها: حان وقت الرضاعة.

تارة أجري وراء قطعان الغنم أتقمص دور راعية الغنم الأرمنية التي كنت عنها في الرواية، وتارة أستجيب لدعوة الكثبان الرملية فتغمرني برمالها الناعمة.

لا أنكر أنني شعرت بالإنهاك منذ الوهلة الأولى، لكن إحساسي بالصحراء كان عميقاً جداً فتناسيت ونسيت.

ها أنا ذا في أرض الآباء والأجداد أبحث عن عروبتي الضائعة، عن الأصالة التي تلاشت في زمن التقليد، عن شيم العرب، وعن السمرة التي صبغت الوجوه المليحة بفعل ضوء الشمس لا بفعل البخاخات الكيميائية، عن الجمال العربي، وعن كل شيء.

ها أنا ذا في ديارهم، لكن أين هم؟! أين الآباء والأجداد؟ ربما كانوا هنا، وربما مروا من هناك عندما قرروا الرحيل، لا بد أنهم داسوا على الرمال التي أدوس عليها، كأني أرى غبار معاركهم ربما يقبلون بعد قليل، لكن الليل هو الذي أقبل وأنا لم أنتهِ بعد من وساوسي وأفكاري، العتمة ظللت الأشياء القليلة الموجودة في المكان، لم يبق إلا الرمال الباردة والهواء النقي يداعب بشرتي، ما لبثت أن سمعت صوت سيمفونية الصحراء يعوي من بعيد، تجاهلت الصوت ووحشة المكان وانطلقت.. إنها الصحراء وكفى.

لكن الوحشة لم تتجاهلني، أراها تحيط بي، تلفني، ابتدأ الخوف يتلاعب ببصري فرأيت خيالات كثيرة...عندما ازدحم المكان بها أيقنت أنها أوهام، فصرخت لأبددها فقلت: أوهام.. أوهام.

حينها سمعت صوت امرأة تقول: أوهام!
شعرت بالخوف فاختبأت خلف شجرة رمث صغيرة، يا إلهي امرأة في هذ المكان الموحش! ماذا عساها أن تفعل!

كان ضوء القمر يسطع على وجهها، فإذا بحسناء ترتدي ملابس تشبه الملابس التي أراها في الأفلام التاريخية.

تركت الخوف ورائي وانطلقت خلفها، كانت تمشي بسرعة، حاولت اللحاق بها، لكن أقدامي كانت تغوص في الرمال وبصعوبة بالغة كنت أنتزعهما، أما هي فكانت تمشي بخفة كأنها تتزلج على جليد، ثم اختفت، فناديت بأعلى صوتي:
لو سمحتِ.. لو سمحتِ، ها هي أمامي.

التفتت إليَّ، ثم أكملت سيرها دون أن تكترث بالفتاة التي تلهث خلفها، عندما بلغ الإعياء بي كل مبلغ، وأيقنت أنها ستختفي في الظلام ناديت: هيه.. هيه. لو سمحتِ.

توقفت ثم التفتت. وقالت:
لا أعي ما تقولين لا أباً لأبيك.
أدركت أنني أتكلم بلغة عامية أظنها فصحى، فقلت:
هلّا توقفت قليلاً أحدثك يا امرأة؟
قالت: تحدثينني عن ماذا؟
قلت: من أين أنت؟
قالت: أنا.. من الجواء.
وقفت برهة أتذكر الجواء.. الجواء.. مر في ذهني حصص التاريخ والنحو والأدب، ثم تذكرت المعلمة منال وهي تشرح معلقة عنترة فقلت:
الجواء أرض عبلة؟
فقلت بأعلى صوتي: يا دار عبلة بالجواء تكلمي ** وعمي صباحاً يا دار عبلة واسلمي
فقالت:
يا "عبل" إن هواك قد جاز المدى ** وأنا المُعَنَّى فيك من دون الورى
يا "عبل" حُبُّك في عظامي مع دمي ** لمَّا جرت روحي بجسمي قد جَرى

هل أعرف من ذلك أنك عبلة عنتر؟
أنا عبلة بنت مالك، وهو عنترة بن عمرو بن شداد.

ارتبكتُ كثيراً وقلت أعرف عنترة أكثر مما أعرفك.. حتى الصخرة التي كنتما تقفان عندها تتبادلان حديث الحب لا تزال موجودة يزورها السياح.
عن أي صخرة تتحدثين؟ الحرّةُ لا تتحدث عن حبها، هكذا يقولون.
لا تصدقي كل ما يقال.

حسناً لن أصدّق! لكن أين عنترة؟
أيقنت أن سؤالي لم يكن في محله عندما أشاحت بوجهها عني ثم انطلقت.
يا إلهي ماذا قلت؟! انطلقت وراءها أنادي:
عبلة.. عبلة.. لحظة من فضلك.
التفتت نحوي، قلت: قفي هنيهة من الوقت.
قالت: ولمَ؟
قلت: أسألك عن شيء.
قالت: عن أي شيء تسألين؟
قلت: عن عنترة الشاب الأسمر النبيل.
قالت: شجاع شهم يخشى الشجعان نزاله.

فأنشدت:
إن كنت جاهلة بما لـم تعلمـي
يخبرك من شهد الوقيعـة أننـي
أغشى الوغى وأعف عند المغنمي

قالت: كان الفارس معد بن يكرب يخشى نزاله.
لست عن هذا أسأل.
تسألين عني وعنه.
هو ذاك! ألم يقل:
ولقد ذكرتـك والرمـاح نواهـل ** مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيـل السيـوف لأنهـا ** لمعت كبـارق ثغـرك المتبسـم
قالت: وقال:
ولولا حب عبلة في فؤادي ** مقيم ما رعيت لهم جمالا
عتبت الدهر كيف يذل مثلي ** ولي عزم أقد به الجبالا

حينها لم أتمالك نفسي فقلت: أسأل عنك أنت ماذا قلت لعنترة الذي قال كل شيء لك وفعل كل شيء لأجلك؟

بدت عليها الأنفة وتملكها الغضب، فأمسكت بضفيرتها تلفها بإصبعها، ثم نظرت إلي كانت هادئة في غضبها:
ماذا تريدين من فتاة عربية حرة تحب وهي تعلم أن الحب يقضي بتفريق الحبيبين ويحول دون زواجهما؟.. ماذا تريدين من عذراء عفيفة أن تفعل؟
ألا تعلمين أن التاريخ لا يقف إلا عند أبواب الملوك أو في رحى المعارك! وبالطبع لن تجديني هناك!

ذُهلت من قولها فجلست، ووضعت رأسي بين يدي وقلت في نفسي:
عرفت من تختار يا عنترة..

رفعت رأسي فلم أجدها..
عبلة.. عبلة.. أين أنت؟
عبلة.. ابتلعها التاريخ.

وإذا بصوت أختي توقظني من النوم.. حان وقت المدرسة.
قلت: أين عبلة؟
قالت: اسألي عنتر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.