المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

قويدري محمد أمين Headshot

رواية تحت المقصلة

تم النشر: تم التحديث:

سيُسدل الستار على معرض الكتاب سيلا 2017 الجزائر، بقصر المعارض الصنوبر البحري الممتد من 26 أكتوبر/تشرين الأول إلى 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، والذي تميز بالعدد اللافت للانتباه من الكتاب والروائيين الشباب، الذين حظوا بفرصة مشاركتهم بالمناسبة التي كانت فرصة لهم للالتقاء بقرائهم والترويج لما اجتهدوا وتعبوا فيه لأشهر أو عام أو يزيد.

كيف لا والقامات الأدبية والكتاب ينتظرون ذلك لجذب الأضواء التليفزيونية والإعلامية والاحتكاك بالقراء؟! إلا أن الكاتب والروائي أنور رحماني الذي كان من المنتظر مشاركته برواية "ما يخفيه الله عنا"، عن دار نشر أطلس المصرية، كان حاله غير ذلك؛ إذ بعد طول انتظار لم يحظَ بما وَعد به قرّاءه ومتابعيه من مختلف الشرائح.

الحادثة التي تعرض لها هذا الكاتب والروائي فريدة من نوعها على غرار الأحداث المعهودة في معرض الكتاب الحالي ونسخه السابقة من منع كتب للمشاركة أو دور للنشر.

وقد تصدرت كبريات القنوات التليفزيونية والصحافة العالمية من جرائد الحادث المتمثل في قدوم أحد ممثلي وزارة الثقافة وأعوان للأمن إلى جناح دار النشر المثقف التي اعتُقد أنها الدار المعنية بنشر رواية "ما يخفيه الله عنا"، حسب تصريح الكاتب، والتي كانت في تلك الآونة محتجزة من قِبل السلطات المختصة بمطار الجزائر، حسب مسؤولين في دار نشر أطلس المصرية، في حين أن الإعلام الجزائري لم يهتم بحجم الموضوع سوى بعض وسائل الإعلام.

المستغرب حسب ما صرحت به صاحبة دار النشر المثقف عبر صفحتها على الفيسبوك أن المعنيين بمصادرة الرواية "ما يخفيه الله عنا" عند اكتشافهم أنها ليست دار النشر المعنية بنشر الأخيرة، وما إن تم لمح رواية أخرى لنفس الروائي المسماة "هلوسة جبريل"، قاموا بحجز كل النسخ الموجودة بحجة أنها تمس مقدسات الدين الإسلامي؛ لكون العنوان يحمل اسم "الملك جبريل"، وهذا الجبريل ليس إلا غابرييل غارسيا الحاصل على جائزة نوبل في الأدب الذي استحضره الروائي تخليداً لروحه، وأن بطلة الرواية المسماة مريم هي مساس بقدسية مريم العذراء التي ليست إلا امرأة اغتُصبت في صغرها، ولا علاقة لها بمريم عليها السلام.

رواية "هلوسة جبريل" لا ينكر مؤلفها تواجد جرأة كبيرة في طرحها؛ نظراً لما تحتويه من مشاهد جنسية، فهو ليس الأول الذي استحضر هذه الأخيرة في كتاباته، فقد سبقه في ذلك روائيون جزائريون وكتاب معروفون في الساحة الثقافية، ممن يعتبرون ذوي زخم إعلامي؛ إذ لم يلاقوا أي مشاكل في طروحاتهم.

أما فيما يخص النسخة الجزائرية من هذه الرواية فتم حذف ما يقارب العشرين صفحة وكذا تغيير المصطلحات حسب ما أمرت به لجنة قراءة دار النشر المثقف.

للإشارة فالتسمية الأولى لها كانت "هلوسة غابرييل"، إلا أن دار النشر المصرية التي قامت بأول إصدار قامت بصياغة اسم "هلوسة جبريل" حسب اللهجة المصرية، فنشرت وعرفت بهذا الاسم.

أما القضية التي تعالجها الرواية فليست إلا الدفاع عن المرأة وحقها في العيش، وتعرية الوجه الحقيقي لمجتمع ذكوري يحتقر المرأة ويعتبرها آلة للجنس.

بالعودة إلى الرواية السجينة "ما يخفيه الله عنا" التي لم تشرّف البساط الأحمر لمعرض السيلا ولم تغادر مخازن مطار الجزائر، فهي رواية في الأدب الديستوبي تدور أحداثها في عالم ومجتمع متخيل يسوده الفساد والاستبداد؛ إذ يؤمنون بمعتقدات وقيم غريبة يتلذذ أفراده بتقديم أنفسهم كقربان للتماسيح التي يعتبرونها آلهة لهم.

يسيطر على هذا الشعب زعيم يدعى "جاكوشا" شفاف متخفّ لا يظهر ولا يموت من خلال رهبانه الذين يسعون للارتقاء إلى أعلى هرم في المنظومة الدينية والسياسية المبتدعة.

وفي خضم ما يسوده هذا المجتمع تظهر راهبة تحاول اجتثاث الشعب وتخليصه، إلا أنها تقع بين أيدي من تحاربهم، ويحكم عليها بالإعدام بتهمة الترويج للفكر الحر.

في الأخير يتم اكتشاف أن هذا العالم إنما يخضع للسيطرة من قِبل عالم آخر.

ما تحتويه الرواية يلخص حال أغلب المجتمعات العربية منها، خاصة هناك من عاشها وهناك من لا يزال يعيشها إلى يومنا، بإسقاط العوالم على مجتمع متخيل، ولا يمتّ بأي صلة لازدراء الدين أو المساس بالذات الإلهية.

ما يثير الدهشة أنه لم يتم إعطاء سبب مقنع أو توضيحات لمنع رواية "ما يخفيه الله عنا" وسحب رواية "هلوسة جبريل" صدفة مع أنها غير المعنية بالحظر!

إذن هل مقصلة الرقابة نالت من روايات هذا الكاتب والروائي في حد ذاتها أم من شخص مؤلفها الناشط في حقوق الإنسان؟

هل يعقل منع شخص للمشاركة بمعرض للكتاب بسبب مواقف أبداها أو توجهات فكرية صرح بها قام بها قبله وكتبوا في سياقها من يستقبلون الآن استقبال الأبطال وسط الزخم الإعلامي؟

ألم يكن الأحرى بلجنة القراءة التابعة لمحافظة الكتاب عدم قبول مشاركة الرواية من البداية أم أن لجنة القراءة لا تقرأ؟ هل يتم فعلاً قراءة كل الكتب المشاركة بالمعرض وترصّد كل الكتب التي تهدد البلاد والعباد والداعية للتطرف؟

ما موقف الكتاب والروائيين مما قد يحدث مع أيّ فيهم مستقبلاً؟ إلى متى سنبكي مبدعينا بعد موتهم كما فعلنا مع آسيا جبار؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.