المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

قصي زكريا Headshot

الولادة من الموت

تم النشر: تم التحديث:

بعد ليلة طويلة من البحث عن وجبة تسد الرمق، حظيت أنا وبضع أصدقاء بوجبة هزيلة أخرى من وجبات الحصار المفروض من قوات نظام الأسد على مدينتنا معضمية الشام.

بعدما خلد أصدقائي إلى النوم بقيت ساهرًا كي أصلي صلاة الصبح، وبعدما أنهيت الصلاة بدقائق سرقت صفارات إنذار مرعب النوم الذي بدأ التسلل إلى عيوني المثقلة بالهموم والنعاس.

هرعت إلى النافذة محاولًا تحديد مصدر الصوت القادم من دمشق، مرت لحظات، اختفت الصفارات وبدأت أصوات الصواريخ المتطايرة فوق المدينة تزأر
استرعى انتباهي أن الصواريخ المرتطمة بأرض مدينتنا لم تحدث صوت انفجار، بعد خبرة سنتين تحت القصف، تطورت لديَّ موهبة مشتركة مع باقي السوريين الثائرين ضد الأسد بمعرفة نوع السلاح المستخدم ضدنا بمجرد سماع صوته، لكن هذه المرة لم تسعفني خبرتي بمعرفة نوع الموت القادم من دمشق.

ثوانٍ قليلة كانت كفيلة بتحويل صدري إلى كتلة مشتعلة من الألم، عيوني جحظت بحرقة، انقطع صوتي وسلبت أنفاسي دون أن أعلم ما هو السبب.

ردة فعلي كانت لكم صدري الملتهب بكل ما بقي في جسدي من قوة، لكمات عديدة كانت كفيلة بعد -رحمة الله- أن تعيد إلي أنفاسي، ولكن بألم لم أعهده طيلة حياتي

kos

"استيقظوا، إننا نتعرض للإبادة بالغاز"
بهذه الكلمات صرخت لأوقظ رفاقي وأنا أهرع لغسيل عيوني الملتهبة ووجهي المحترق.

استيقظ من كان معي في البيت وهم يسعُلون بشدة، هرعوا لغسل عيونهم وارتداء ملابسهم كي نهرع إلى الشارع ونرى ماذا يحصل في المدينة.

صرخات جارتنا وقرعها الهستيري على باب منزلنا جعلنا نهرع ونفتح بهستيريا أعظم، كانت تحمل صغارها الاثنين وهما يختنقان بقيء مقزز أبيض اللون، جمعت ما بقي في صدرها من أنفاس لتصيح "أولادي، مشفى، مشفى" وتسقط بعدها أرضًا. هرع أصدقائي وحملوا الأطفال والمرأة إلى الشارع ريثما يحضر صديقي سيارته المهترئة ويقوم بإسعافهم إلى المشفى الميداني الوحيد في البلدة.

الذهول والألم منعا جسدي من الحراك وعقلي من التفكير، صرخت مرات ومرات محاولاََ استعادة رباطة جأشي المسلوبة بالخوف من هول المشهد.

"إنه يوم القيامة"
هذه كانت أول الكلمات التي راودتني وأنا أشاهد النساء والأطفال والرجال يركضون ويسقطون أرضًا وسط سيمفونية شيطانية من البكاء والعويل قاطعتها ابتهالات لله -سبحانه- بالرحمة

كنت أبحث عن القاتل الخفي الذي زار مدينتنا في وجوه الناس، بين التفاصيل الغائبة عن ذهني المرتبك، عبثًا حاولت لدقائق، إلى أن قادتني عيوني التائهة لطفل في سن الثانية عشرة وهو يتقلب على الأرض مصارعًا عفريتًا بلا لون ولا شكل ولا حتى رائحة.

هرعت أقدامي نحو الطفل دونما تفكير أو أمرٍ مني، ثوانٍ قليلة كانت كافية لأقطع تلك الأمتار المائة وأشاهد أسوأ كوابيس البشر حقيقة أمامي، عيناه الزرقاوان كانتا كقطع من زجاج وهما تحدقان في القاتل المجهول، وجهه الملون بكل ألوان الرعب، وفمه الممتلىء بالزبد الأبيض.
ملامح طفلٍ بلا طفولة، بلا روح، بلا ذاكرة تحمل سببًا لهذا الموت المريع
صرخت، زأرت، لعنت ودعوت. لم أعرف حقًّا إن كنت أحلم بكابوس نهاية العالم، أم أن هذا واقع قد هرب من اللامنطق المجنون الذي سكن سوريا منذ أن أعلن بشار الأسد الموت على شعبه بتهمة الحرية.

صارعت الموت القابع على صدره بأنفاسي، ويداي نزعتا قميصه الأبيض محاولاََ إنعاش أنفاسه المتلعثمة ودقات قلبه المتقطعة.

"هيا إركب معي إلى المشفى"
صرخ صديقي من نافذة سيارته المزدحمة بالأطفال والنساء المصابين، هرعت إلى السيارة حاملاََ الطفل، وضعته في الصندوق الخلفي وحضنته خوفًا على جسده من السقوط وروحه من الهرب.

nkhsshgh

دقيقتان في رالي الموت كانتا كافيتين لنصل إلى المشفى الميداني، ركن صديقي السيارة في منتصف الشارع المغتص بالمصابين بالاختناق، حاولت النهوض وحمل الطفل إلى الأطباء. جسده الصغير أصبح أثقل، الأرض رفعت نفسها ولكمتني في وجهي معلنةََ نهاية الجولة بفوز الغيبوبة.

تلونت الدنيا بلونٍ أسودٍ متوحش الكآبة، صراخ الثكالى خفت إلى حد الصمت المطبق، ذاكرتي سافرت بلا عودة أو سابق إنذار.

"من أنا، أين أنا"
صرخت بلا صوتٍ في الصدى، بكيتُ خوفًا من الوحدة التي حاصرت روحي، بدأت بنطق الشهادة والدعاء لروحي بالرحمة من ذنوبي.

صورٌ مبعثرة حضرت في رقصةٍ هنديةٍ حمراء، طفولتي، شبابي، أهلي، رفاقي، حبيبتي حضروا جميعًا دون أن أعرف أحدًا منهم..

kosat

دقائق مرتْ كأنها دهرٌ سرمديٌّ مِنْ شتاتِ الروحْ، كأنها أنا الذي غاب عَنْهُ أنا، كأنها.. الموت
"قصي، قاسم، أنتَ حي، الحمدُ لله، الحمدُ لله"
صراخٌ بكلماتٍ مبهمة، ضوءٌ تسارعَ في عيوني كقطارٍ خرج عن السكة، ألمٌ رهيبٌ في صدري، كلُّ ذلك كان كفيلاََ لإعلان ولادتي من الموت.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.