المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كندة السمارة Headshot

حياة جديدة.. أستراليا "2"

تم النشر: تم التحديث:

حديث عابر

نظر إليّ الرجل بعينين باسمتين وقال:
- وجهك ينطق بالملامح العربية.. هل أنتِ كذلك؟
- نعم أنا عربية.
- وماذا تفعلين هنا.
- أنا هنا من أجل الدراسة.
وبدأ الرجل يحدّثني عن نفسه، فقال إنّه بريطاني من أصول باكستانية، وإنّه مالك سفن، يأتي إلى أستراليا كل فترة من أجل التجارة، يستغل فرصة وجوده هنا ليطعم الحمائم.

تابع الرجل حديثه:
يظن البعض أن القادم إلى الغرب يتحول إلى شخص متسيّب أخلاقياً، وهذا حتماً اعتقاد خاطئ، كل ما يحصل هو صدمة حضارية بسبب تغير ما تعودنا عليه من قيود.. فكل ما كان ممنوعاً أصبح هنا مسموحاً.. وزادت مساحة الحريات.. وزاد معها الانبهار بالعلوم، والفنون، والتكنولوجيا، ووسائل المواصلات وغيرها.. وكل شخص يبدأ بالبحث بحسب ما يريد، فكل الأشياء أصبحت هنا متاحة ومسموحة.

المسلّمات

كان الرجل يتحدث وهو يوزع ابتسامات طيّبة على المارة.. ثم عقد حاجبيه ونظر إليَّ بكل جدّية متابعاً حديثه.
حين تُرفع القيود عن الإنسان يبدأ بالتعرّف على حقيقة ذاته، الذي كان يفعله سابقاً في مجتمعه بدافع الخوف من الأهل أو ربما المجتمع، لم يعد هنا يحتاج إلى فعله، فهو يفعل ما يفعل؛ لأنه وببساطة يريد أن يفعله، ويمتنع عنه لأنه فقط لا يرغب فيه.

وهنا مدّ الرجل يده نحو عصاه متكئاً عليها بالنهوض، ثمّ أصلح الوشاح من على كتفيه ولفّه جيداً حول رقبته، والتفت إليّ متابعاً:
ستجدين نفسك حينها تفتشين عن أجوبة لأسئلة كانت لديك هي من المسلّمات.. هل نحن فعلاً في بلادنا مركز الكون؟ ومن نحن؟ وما معنى هويّة؟ وما معنى انتماء؟ وكلمة خير؟ وحتى شر؟ جميل؟ وقبيح؟ وأنا متأكد أنك ستدركين بعد حين كل فعل، لماذا يُفعل.

انتماء آخر ومرحلة جديدة

تركني وحيدة على الكرسي واختفى.. واختفت معه أسراب الحمائم، شددت يدي على حقيبتي التي كانت بجانبي ووضعتها على كتفي ورحت أسابق من يسيرون في الشارع بخطوات سريعة متجهة إلى الجامعة، فالأستاذ المشرف سيكون بانتظاري.

المبنى هو صرح عظيم.. فالعين لا تخطئ فخامة وضخامة المباني، فجامعة اديليد تعتبر واحدة من أعرق الجامعات الأسترالية، كما أنها تأتي في المرتبة الثالثة على مستوى أستراليا من حيث تاريخ الإنشاء، ولها تاريخ مشرف مع جائزة نوبل، إذ حصل 5 من خريجي جامعة اديليد على تلك الجائزة.

الجميع هنا يعمل كخلية نحل، محاضرات في هذه الكلية وتلك، وكأنما الفضيلة عندهم هي التبحّر في طلب مزيد من العلم والمعرفة.

حينها سقط خيالي في بئر الذاكرة، شعرت بالغيرة تمنيت لو أن وطني يشبه هذا الوطن، تذكرت مقولة لأحد المستشرقين الفرنسيين، حين قال: "لا يوجد هناك أي بلاد متخلفة، بل هناك بلاد قد تخلّف أبناؤها عن حبها".

فحال سوريا اليوم ليس ببعيد عن وصف زهير بن أبي سلمى في زمانه، حين قال:

رأيت المنايا خبط عشواء من تصِب ** تُمِته ومن تخطئ يعمر فيهرم

ولكن الناس فيها لم تسأم تكاليف الحياة؛ لأن من يعش ثمانين حولاً، لا أبا لك يسأم، لكني على يقين بأن أهلها قد ملّوا من الانفجارات والقنابل والقذائف اليومية التي لا تكل ولا تمل.

ما ظننت ذلك سيحدث

أعادني صوت نحيب فتاة بجانبي إلى الواقع، كانت فتاة من أصول آسيوية تبكي بمرارة وحرقة، وهي تردد وتقول، جميع الرجال خائنون.
استغربت في نفسي وقلت: حتى هنا، يبدو أنّ الشكوى نفسها تلفّ أرجاء العالم.
تابعت الفتاة نحيبها.. تصوروا أني قد رأيت جميع محادثاته معها.
فاندفعت نحوها بشكل فطري وقلت: لعلّك كنت على خطأ.

لا أدري لماذا وضعت نفسي في هذا الموقف، فأنا لا أعرف الفتاة، ولا أعرف الرجل، ولا أعرف حتى القصة، ربما هي الحالة الإنسانية التي نتوحد فيها، فقد وجدت نفسي فجأة في موقف الخبيرة في الشؤون العاطفية، والمداوية للنفوس المغدورة بها، والمدافعة عن الأنانية الذكورية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.