المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كندة السمارة Headshot

حياة جديدة.. أستراليا المحطة الخامسة

تم النشر: تم التحديث:

المرور على الحافة

كثيرة هي الأشياء العادية التي نعتقد أنها لا تحدث إلا للآخرين، كالشيخوخة، والمرض، وحتّى الجنون، كما نعتقد أيضاً أنّ الحياة ولسبب ما ستجنبنا إياها.. إلى أن تمضي بنا الأيام فنجد أنفسنا يوماً ما أمامها.. نعثر على أسوار عالية وأبواب مغلقة، فالجميع يغفل البداية، ولا ينتبه للطريق إلا في منتصفه، إلى أن يوقظك حادث طاف بأحدهم، أو فجأة يقع في قلبك معنى الحياة فتصحو فجأة من سباتك العميق.

تجدني أقلّب كل صباح الجريدة محاولة البحث عن أجوبة شافية لحدث كان عادياً، إلا أنه قد غيّر مسار حياتي وجاء بي إلى هنا.
يراودني سؤال دائم: كيف لنا أن نملّ من تكرار مشاهدة نفس الفيلم ولا نمل من تكرار أيامنا على نفس المنوال؟ لمَ لا يكون لكل صباح نجاحاته وسحره؟
أحبّ سذاجة أفكاري، لطالما آمنت بأنّ لكل حلم أكثر من مجرد طريق واحد ما دمنا نملك مرونة تعديل المسار، وأنّ في كل محنة منحة لمن يملك الحكمة، وأنّ الوقت المناسب سيأتي ما دمنا نسعى إليه.

صفحة جديدة

كان الجو لطيفاً وقد قاربت الساعة الثامنة صباحاً، الحركة في الشارع نشطة برغم رذاذ المطر، حملت مظلتي المفتوحة فوق رأسي وانطلقت أجوب شوارع أديليد، هذا البلد الجميل.

كنت قد حددت خطّ السير على خريطة المدينة التي أخذتها مرة بين مطبوعات عديدة عن معالم مدينة أديليد، والموجودة بوفرة تحت يد أي طالب في الجامعة في عرض لافت وجذاب، فعرفت منها أن أديليد ذات تمثيل برلماني مستقل، وأنها عاصمة ولاية جنوب أستراليا، وأنها تقع شمال شبه جزيرة فلورو بين خليج سانت فنسنت وجبال ماونت لوفتي.

مشيت في الشوارع فإذا هي مغسولة ولامعة، الغابات والأشجار فيها تغلب على الأبنية والبيوت، ومع ذلك لم يكتفِ من يسكن تلك البيوت بما تراه أعينه من ألوان الطبيعة، بل أحاطوا نوافذهم بالزهور والورود ضمن تشكيلات جميلة؛ حيث لا حدود للطبيعة أينما نظرت، بينما كانت زخات المطر تنزل فوق مظلتي وعلى أطراف معطفي وهي تعزف معزوفتها الرقيقة في أذني.

أثناء تجوالي في الشوارع والتي قلّما رأيت فيها متسكعاً، عبرت أحد الجسور فوق نهر التورينس Torrens، تكاد تتشابك فوقه الأغصان الخضراء الممتدة وهي تعانق الأشجار المرتفعة جداً، الأشجار عالية، وترتفع بأغصانها في حين أن سوقها غليظة جداً؛ لتجد عند أقدام تلك الأشجار مياه نهر جميل.

وحيدة كنت فوق الجسر الذي لا يقف فيه واقف، وقفت أتطلع إلى النهر الهادئ كيف ترمي الأشجار فيه بأوراقها الصفراء بين الفينة والأخرى فتحملها المياه بلهفة وتمضي بها، لا أدري إلى أين، لكن استوقفني سؤال: لماذا لونه داكن؟!

الصورة غير حقيقية

قفز في ذهني ما قرأته منذ عدة أيام عن مدينة أديليد، وكيف أنها تشتهر بمزارع الأبقار والأغنام والصوف، وخطر في ذهني خاطر، وطبعاً لم أنتبه من سذاجة تفكيري وإلى عدم جوازه، بل واستحالته، وخصوصاً في مثل هذه البلاد، فقلت في نفسي وكأني أرخميدس في زمانه، وجدتها إنّ هذه المياه الداكنة ما هي إلا مخلّفات مزارع الأبقار والأغنام التي يلقونها في أنهارهم، ولكن بلغني الشكّ المختلط بعدم الرضا عن هذا الاستنتاج، التفتّ حولي فإذا برجل يسير بالقرب مني.

سيدي.. هل تسمح لي بأن أسألك سؤالاً عن ماء هذا النهر؟ وهل سبب لونه الداكن يعود إلى مخلّفات مزارعكم في المدينة؟! ولماذا تلوثون بيئتكم الجميلة؟!
بهت الرجل من سؤالي، وتطلع إليّ بدهشة وعجب، وكأنما نطقت كفراً.
ماذا تقولين؟ إننا هنا من أشدّ الناس اهتماماً وحرصاً على نظافة بيئتنا، فنحن ندرك تمام الإدراك معنى سخاء الطبيعة وكرمها، فعجيب منك الظنّ بأننا نلوثها.

إنّ الماء الذي ترين هو من مياه الأمطار الساقطة على المرتفعات وحول المدينة، وهذا اللون الداكن ناتج عن تسرب مياه الأمطار عبر الصخور مستخلصة منها اللون الداكن، أما مصانعنا فجميعها تُقام بعيداً عن المدينة؛ لذلك لا اعتداء منّا عليها أبداً.
وضحك قائلاً: إننا حريصون على بيئتنا ولا يمكن أبداً أن نلوثها، ثمّ استدرك قائلاً: من أين أنتِ؟
ترددت قليلاً، فأنا على تمام المعرفة بكمية الأسئلة التي ستنهال عليّ بعد أن أجيبه على سؤاله.

ذكرى من الزمن الجميل

أجبت الرجل: من سوريا.. وما إن قلت سوريا حتى فتح الرجل عينيه على آخرهما، وتحولتا إلى علامة استفهام، وبسرعة البرق وقبل أن ينطق، قلت: حتماً ستسألني عن غوطة دمشق ونهر بردى، وبدأت أسترجع الصورة الموجودة في ثنايا ذاكرتي، وقلت: إن كنت تسألني عن نهر بردى؟ فهو نهر عذب وجميل.. ما زلت أذكر كيف تصبح "البطيخة" باردة ولذيذة حين نضعها فيه، أما غوطته فهي مليئة بالأشجار الخضراء الغنيّة، والمطاعم، والمقاهي.. تجد فيها المطاعم الشعبية مروراً بمطاعم الخمس نجوم، وهي تحمل في طياتها عبق "السيران الشامي" الذي فيه رائحة زهر المشمش والكرز، تحمل في ذاكرتها صورة والدك جالساً على الأرض يلعب "الطاولة" مع عمك بينما والدتك تحضّر "السلطة"، في حين تصرّ جدّتك على أن تتسلم مهمة "شكّ" اللّحم على الأسياخ لتباشر بشيّها بمساعدة زوجة عمّك، في حين يجلس جدك على الكرسي يدخن النرجيلة، ويتأملك وأنت تلعب مع إخوتك.

ومن ثم قلت للرجل: أستأذنك يا سيدي فأنا في عجلة من أمري، وذلك لإتمام رحلتي الاستكشافية.

تركت الرجل مسرعة، تركته وحيداً في ذهوله، تركته قبل اكتشافه أنّ ما قلته كان حلماً؛ بل ما نحن فيه هو كابوس عصيّ على الإفاقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.