المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خولة شنوف Headshot

ماذا لو كانَ الأمازيغُ عربا؟

تم النشر: تم التحديث:

تصيبني الحيرة والدهشة كلّما تابعتُ تقريراً عن الأمازيغ، أو لقاء وحواراً مع أمازيغيّ في التلفزيون الجزائريّ المحليّ منه والخاص.

في كلّ الحالات التي تابعتها لم يعمد التلفزيون الجزائريّ إلى ترجمة ما يقوله الأمازيغيون، على الرّغم من أنّ نسبةً لا بأس بها من الجزائريين لا تفهم هذه اللّغة ولا تتكلمها، حاولتُ أن أبحثَ عن جواب مقنع، فَقمتُ بسؤال بعض الأصدقاء من حولي الأمازيغ منهم والعرب: هل تفهمونَ جميعكم هذه اللغة؟
كانَ الجواب بأنهم يفهمون بعض الكلمات فقط، في حين نفى البعض الآخر ذلك.

إذاً.. نحنُ أمامَ فئة من الجيل القديم والحديث، لا تتكلمها ولا تفهمها، لماذا لا أجدُ تقريراً واحداً، أو حتى حواراً مع أمازيغيّ مُرفقاً بالترجمة لأمثالنا ممّن لا يعرفونها، على الأقل حتى لا نشعرَ بأنّنا مثل الأطرش في الزّفة.

لم تجدْ مخيّلتي "المشاغبة" سوى أنْ أضعَها في خانة أنَّ سياسة الدولة تطلُبُ ذلك، كي لا يتحسّس الأمازيغ ولا يشعروا بأنّهم فئة منبوذة في المجتمع الجزائريّ، وتقومَ ثورة وفوضى، البلد كلّه في غنى عنها.

يؤكدُّ لي ذلك أحد الأساتذة الذي كان جوابُه عندما طرحتُ عليه سؤالي بخصوص ترجمة ما يقوله الأمازيغيّون، بقوله: "كيْ لا تثور ثائرةُ أصحاب النزعة البربرية".

أنا ذاتُ الأصول الأمازيغيّة التي لا تفقهُ شيئاً عن هذه اللغة والثقافة، وترفضُ أن يُقالَ لها: "أنت لست عربية"، أحاولُ اليوم أن أُزيلَ هذا الشَّرخ الكبير بيني وبين هذه الثقافة، وأن أتصالحَ معها، وكأنّني من جديد أولد لأتقبلّها عن قناعة.

والدتي التي تتبنّى ما قاله الكاتب المصريّ أنور الجنديّ عن الأمازيغ في كتابه "الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا".

تحاولُ دائماً أن توضّحَ لنا ولمن تجتمعُ بهم من أصدقائها العرب والأمازيغ أنَّ أصولهم عربيّة، وأنّها تفخر بذلك وترددها على مسامع الجميع.
أغفرُ لها ذلك، فنحنُ لم ننشأ في الجزائر وإنّما عشنا في سوريا، البلد الذي تنطق حجارته بلسان عربيّ مُبين، ولكنّ هل يغفرُ لنا ذلك أحباؤُنا الأمازيغ ممّنْ لا يقبلونَ بهذه الفرضيّة أساساً؟

تقول أمي بأنّ والدتها -أيّ جدتي- كانتْ تفهم ما يقوله الأمازيغيّون والأمازيغيّات من حولها، في حين كان جدّها يُتقنها ويفهمها جيّداً، ولأنّني أرغبُ في أن يكون لي بهم صلة، ولأنّني دائماً ما أتساءل: ماذا لو كانَ الأمازيغُ عرباً؟

قررتُ أن أقرأَ عن تاريخهم وأتعمقَ فيه أكثر، فوجدتُ أنّ كتبَ ومصادر التاريخ تشيرُ إلى أنّ أصولهم مختلف فيها للآن، وإن كان الجميع قدْ أجمعَ على أنّها من عدّة منابع.

ابن خلدون مثلاً الملّقب بمؤرّخ الأمازيغ لجهوده الكبيرة ودراساته العميقة، وهمّته العالية في حفظ تراثهم والتعريف به، يقول في كتابه "العبر" بأنّ إفريقيا كانتْ دياراً لـ"نفزاوة وبني يفرن ونفوسة وهي قبائل أمازيغية كانَ لها سابقُ عهد بالعرب تكلّموا بلغتهم وتحلّوا بشعارهم".

إلاّ أنّه ينفي كلّ ما قيل عنهم بأنّهم من "ولد إبراهيم أو جالوت، أو من ولد نعمان، أو من مضر من ولد قيس، ليقول بأنّ "الحقَّ الذي لا ينبغي التعويلُ على غيره في شأنهم، أنّهم من ولد كنعان بن حام بن نوح، كما تقدَّمَ في أنساب الخليقة، وأنّ اسم أبيهم مازيغ".

وهو بهذا يشيرُ إلى أنّ الأمازيغ ليسوا عرباً، بل كنعانيّونَ من نسل مازيغ بن كنعان، وهذا يعني أنّ جذورهم أتتْ من شبه الجزيرة العربية، وفي روايات أخرى يشيرُ الباحثونَ المعاصرون إلى احتمال أن يكونَ أصلُ الأمازيغ عائداً إلى أوروبا، معتمدينَ في إثبات هذه الفرضيّة على تشابه ملامحهم بملامح الأوروبيين، وخاصة المنحدرين من ألمانيا، باعتبار أنّ "الوندال" سبقَ لهم أن احتلّوا شمال إفريقيا.
ولكن هناكَ من نفى ذلك، وأكدّ أنّ الأمازيغ هم سكانُ إفريقيا الأصليون، وأنّ تواجدَهُم فيها كان قبل الفتوحات.

هناك من اعتمدَ على تحليل لغتهم وأحرفهم، فوجدَ أنّها كنعانيّة، استمدت نظامها الألفبائيّ من السامية، أيّ أنّ لأصولهم علاقة ببلاد الشّام، كَفلسطين وسوريا والأردن، وقد تبنّى هذا الطرح الباحث الفلسطينيّ عز الدين المناصرة.

إذاً.. نحنُ أمامَ عدّة أصول يختلفُ عليها المؤرخونَ والمعاصرون، والباحثون إلى حدّ الساعة، وإن كانَ احتمالُ ابن خلدون بأنّ أصولهم كنعانية هو الاحتمال الأقوى والفرضيّة الأصح، ولكن أيّاً كان نوع الاختلاف حولَ أصولنا، إلاّ أنّ كلّ أمازيغيّ ألتقيه يتّفقُ على مبدأ واحد يقول: "نحنُ أمازيغ عرّبنا الإسلام"، قاصدينَ بذلك أنّ الإسلام جعلهم يتكلّمونَ اللغة العربية؛ لأنّ الإسلام كَدين لم يأتِ ليعرّبَ مُتبعيه، وإلاّ لكانَ الصحابة أولى منّا بذلك، كصهيب الروميّ وسلمان الفارسي وغيرهما.

سيبقى الاختلاف حولَ أصول الأمازيغ قائماً بينَ فرضية مؤكدة وأخرى مُحتملة، إلاّ أنّ المتفق عليه هو أنّ لكلّ أمازيغيّ الحق في أن يفخر بأصله، فحضارة أنجبتْ عباس بن فرناس وابن بطوطة، وطارق بن زياد، وابن خلدون، وعبد الحميد بن باديس، ومالك بن نبي، ومولود فرعون، ومحمد بن عبد الكريم الخطابي، وغيرهم الكثير، حسبُها كما يقول ابن خلدون ما اكتسبته من الخلال الحميدة والفضائل الإنسانية التي قادتها إلى مراقي العز.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.