المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خولة شنوف Headshot

من الجزائر.. هنا دمشق..

تم النشر: تم التحديث:

وأنا في طريقي إلى " البُليدة"، مدينة الورود في "الجزائر"، خُيّلَ إلى أنّني مررتُ من أوتوستراد "المزة" في "دمشق"، ذلك الأوتوستراد المليء بالحكايات والذكريات التي لا تُنسى.. أحسستُ وكأنّني أعرفُ هذا الطريقَ جيّداً بانسياباته.. بنفقه.. بمساحاتِ الأشجار المنتشرة على جانبيه.. بمبنى وزارة التعليم العالي.. بساحةِ الأمويين، وجامعة دمشق.. فكلية الطب البشري، وطب الأسنان، والآداب.. ملعب الجلاء، شارع فايز منصور، شارع الوليد بن عبد الملك.. الفارابي، وقصر العدل.. كلُّها في صور سريعة متداخلة، وكأنّما كنت في عرضٍ سينمائي مختصر في دقيقة.. لطالما أحسستُ وأنا أتمشى في شوارع " الجزائر" أنّني بينَ أحياء "دمشق".

على الرغم من الفرق الشّاسع بينهما، فالجزائر ذاتُ البناء الفرنسي الحضاري الجميل، تختلفُ كثيراً عن الشّام.. توقفتُ برهةً لأتأكد حاولتُ التركيز أكثر.. ثمّةَ شيءٌ شدّني هنا، وآخر لفتَ انتباهي هناك.. انسابتْ رائحةُ الياسمين فجأة.. لم أعلمْ حينها أستنشِقُها بشدّة كَمَنْ يتنفسُ لآخر مرة.. أم أُسرع فآتي بعلبة عطر، أملأها بها حتى لا تنفد.. فجأة صرخَ الشرطي بلكنةٍ غير دمشقيّة.. طالباً من إحدى السيّارات السّماحَ لعجوزٍ بالمرور.. تأكدتُ حينها أنّني أرى "دمشق" وشوارعها في كلّ مكانٍ أذهبُ إليه.. وفي كلّ "حارةٍ" أمشي فيها، وفي كلّ "محل" سوري أبتاعُ منه.

وفي كلّ حوارٍ أقيمه مع أي جزائريّ.. أو جزائريّة.. لمْ تكن المرةَ الأولى التي ينتابني فيها هذا الشّعور، فَلطالما كانَ لدمشق حضورٌ قوي في يومياتي منذ أن غادرتها.. ولطالما أحسستُ وأنا أتمشى في شوارع "الجزائر" أنّني بينَ أحياء "دمشق".. على الرغم من الفرق الشّاسع بينهما.. فالجزائر ذاتُ البناء الفرنسي الحضاري الجميل، تختلفُ كثيراً عن الشّام.. إلاَّ أنّ حي القصبة مثلاً، الذي يقع في العاصمة الجزائر، دائماً ما يذكرّني بحارات "دمشق القديمة"، لا أعلمُ لماذا.. ولكنَّ بناءهُ المميّز الذي يحملُ بصمات الطراز العثماني الشبيه بالمتاهة لمن يريد التجول بين حاراته، بقصوره وجوامعه، تجعلُ منه لوحةً دمشقيّة يقفُ أمامها الناظر مشدوهاً.. وتبعثُ في نفسي من الأحاسيس والتخيّلات، ما يجعلني أرى أمامي "القيمريّة" في "دمشق القديمة".

أمامَ الجامع الكبير في العاصمة الجزائرية، وجامع "كتشاوة"، أقرأُ دعاءَ تحيّة المسجد في "الجامع الأمويّ" بدمشق، وأمامَ "قصر الداي" أتخيّلُ قصرَ "العظم" الذي بناهُ "أسعد باشا العظم"، وعندَ أبواب القصَبة: باب الجديد، باب الوادي، باب الجزيرة، باب عزون، أتسّمر وكأنّني أمام أبواب دمشق العظيمة: من باب توما، باب الجابية، باب السلام، باب شرقي، باب كيسان، باب الفراديس، باب النصر، باب الفرج إلى باب سريجة، باب مصلى، بوابة الصالحية، بوابة الميدان.. وأمامَ الجامع الكبير في العاصمة الجزائرية، وجامع " كتشاوة ".. أقرأُ دعاءَ تحيّة المسجد في "الجامع الأموي" بدمشق.. وعند كنيسة "السيّدة الإفريقيّة" أتساءل كما كنتُ أتساءلُ دوماً عندَ كنيسة باب توما: مَنْ أبدع كلّ هذا الجمال والزخرف في بناءٍ من حجر؟!

ربّما هو الحنين والشوق لبلادٍ كانَ لي فيها منَ المخزون العاطفي الكثير ممّا تأبى النفسُ أنْ تنساه.. أو ربّما هو رفضي للاندماج أو التعوّد في "الجزائر" خشيةَ ألاَّ أعودَ يوماً إلى "الشّام"، وهذا ما لا أستطيع تقبُّله للآن.. لدرجة أنّ جوابي بـ"لا" يكونُ جاهزاً دوماً عندما أُسأل نفس السؤال من كلّ جزائري ألتقيه: "والفت"؟ والمقصود هنا: هل تعودتِ على مجتمعك الجديد؟ والذي لا يُعتبر غريباً عن جزائرية مثلي، عاشتْ سنين عمرها في سوريا، لأكتشفَ فيما بعد أنّني أنا من أرفض الاندماج، لأنني لم أُشفَ بعد من حبي لبلدي الثاني سوريا.


أنا التي تحب أنْ تطاردَ عبير الشّام في كلّ زاوية تمرّ بها.. أحتاجُ الآن أنْ أُضرمَ النّار في قلبي أحياناً.. حتى أوقف صخبَ حواسي ومشاعري أمامَ مدينةٍ تعبثُ بذاكرتي، وتؤذيني بحبّها وأنا فيها فكيفَ بي بعد أن غادرتها.