المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خولة شنوف Headshot

تعددت النوايا والنفاق واحد

تم النشر: تم التحديث:

يبدو أن النفاق أصبح أكثر مرض مستشر في أيامنا هذه، على الأصعدة كافة، وبشتى الأشكال، الاجتماعية منها والسياسية والدينية.. تلك الآفة التي مهما انتقدتها، مخلصاً، ونبذتها رافضاً، وحاربتها غاضباً، تشعر وكأنها تزداد كل يوم انتشاراً، كسرب جراد، أطلقته على حقل، فالتهم كل ما فيه أمام عينيك.

لم يترك تراكم الأحداث لنا حرية التركيز في فاجعة بعينها، أصبحنا نقف عاجزين أمام ما نراه، لا نعلم أغدت تلك الأحداث المليئة بالنفاق، جزءاً اعتيادياً في برنامج حياتنا؟ أم أننا أدركنا نوايا الجميع، فأخذنا نوبخ أنفسنا بدلاً من أن نعاقبهم؟ أم أنه الصمت ألجمنا وجعل بعضنا يختار الابتعاد مفضلاً راحته الشخصية على تتبّع ما قد يعكره؟

ولأن النفاق الاجتماعي لم يعد الموضوع الأهم الذي يستحق التحدث عنه، أمام ما برز على الساحة مؤخراً من نفاق ديني وسياسي. كان موضوع تدوينتي بعيداً عنه هذه المرة، كيف لا وأنت تطالع النفاق الديني بعين الحسرة، وقد تجسّد أمامك في صورة ملتح جزائري، تأخذه الحميّة على الدين، فيحمل مطرقته؛ ويذهب إلى تمثال عين الفوارة، مقرراً تحطيمه.

هذا التمثال الذي يعد من المعالم التاريخية لولاية سطيف الواقعة في الشرق الجزائري، والذي بناه النحات فرانسيس دو سانت فيسال في عهد الاستعمار الفرنسي، على الرغم من أنه تعرض لعدة محاولات سابقة لهدمه بحجة أنه مناف للشريعة، وخادش للحياء، ومن بقايا الاستعمار الغاشم، فإنه هذه المرة حظي بالنصيب الأكبر من الاهتمام الإعلامي، فعلى مرأى من عدسة شاشات الهواتف المحمولة، يقوم هذا الملتحي بتخريب التمثال بمطرقته، مستعرضاً بطولاته أمام حشد جماهيري لم يفوّت فرصة توثيق تلك الخطوة الجريئة بفيديو، بينما تناول البعض الآخر الحجارة ليلقيها عليه، في محاولة لردعه.

هذا الملتحي، الذي يبدو كأنه كان يشاهد فيلم "الرسالة"، متخيلاً نفسه أيام فتح مكة، شعر فجأةً وبعد سنوات قضاها يمر من أمام ذلك التمثال، بأنه بطل من أبطال الفيلم، فأخرج ما في قلبه من حقد على الكفر والأصنام، معتقداً أن عمله نصرة للإسلام، لِم لا ومنظر المرأة المتمايلة يحرك قلب كل غيور على الدين، ولا بد حينها من بطل يضع حداً لهذا المشهد المؤذي لأعين أمثاله من المارة.

ما يؤلم ويحزُّ في النفس، بالإضافة إلى التخريب العلني، هو دفاع البعض عن تصرُّفه باسم الدين من جهة، ولصق تهمة الجنون به من جهة أخرى، تلك التهمة الجاهزة دائماً عند كل حدث يُخشى تكراره، فما بالك لو كان هذا العمل لرجل بزيٍّ إسلامي! لا أعلم أي نوع من الانفصام يعانيه هؤلاء، تجد لسان أحدهم يقطر كفراً وسبّاً لله والدين في ساعة غضب، ومن جهة أخرى يريد أن ينتصر للإسلام بهدم التماثيل!

لم تؤلمه مشاهد السرقة والغش والكذب والانحلال الأخلاقي، لم تؤرق مضجعه صور الدماء في البلدان المنكوبة، ولا ممارسات الحكام الظالمة، ولكن تمثالاً استفزه وأغضبه، وجعله يهوي بمطرقته ليخربه!

ليس بعيداً عن النفاق الديني، يأتيك النفاق السياسي، الذي عادةً ما يرتبط بالمصالح ارتباطاً وثيقاً، يخرج ممارِسه في النهاية، برِجل ملوثة في قعر "اللامبادئ"، وبرِجل أخرى في قاع "اللاأخلاق".

كذلك الصحفي والمراقب الدولي السابق في حقوق الإنسان، الذي اعتنق مذهب آل سعود مؤخراً، فحوَّل كل منشوراته، وتغريداته وتصريحاته لصالحهم، همه الوحيد أن يخبر العالم أجمع، بأن مؤامرةً تحاك ضدهم، وأن محمد بن سلمان بريء من كل ما يُنسب له براءة الذئب من دم يوسف.

حتى إنه حاول إقناع السعوديين بأن الجزائر مع مَلِكهم، بأوسمة، يكون هو بطلها الخفي عادةً، لتنام وتستيقظ فتجدها تتصدَّر "الترند" العربي، ولم يتوانَ في اتهام كل من يقف ضدهم، بأنهم جيش إيران الإلكتروني، وأن كل من يجادله أو يخالفه الرأي، إما فتاة ساقطة تبحث عن المال والشهرة على حسابه، وإما ذَكر مغمور يريد الشهرة كذلك.

أما هو، فيعتبر نفسه المثقف الذكي، الذي لا ينزل إلى مستوى من يجادله، ما دام مذهبه الجديد يؤهله للصق أي تهمة في الإخوان، حتى لو كان الجرم لافتةً تحمل صورة "قطبي التأثير" في العالم، ترامب والملك سلمان، على حد وصف شيخهم السديس.

هذا الكاتب المدافع بشراسة عن مذهبه الجديد، يبدو أنه نسي مقاله الذي كتبه في عام 2008 بعنوان: "الوطن العربي المحتل: شمس الحرية تسطع على غزة"، والذي قال فيه عن آل سعود:
"السعودية، البلد التي حباها الله بالنفط والمال والقداسة الإسلامية، هي بدورها ترضخ تحت أقدام آل سعود، ويبارك لها هذا العهرَ، آلُ الشيخ وعلماء البلاط ولعّاق الصحون.. بالفعل، السعودية محتلة من طرف آل سعود، وأبواقهم الذين يفتون ليل نهار في دم الحيض والنفاس والكحل ويتهربون من الحديث عن الصهيونية أو انتقاد أميركا، حليفة خادم الحرمين الشريفين".

لو أن جل أتباعه من الذباب الإلكتروني، قرأوا ما كتبه عن ملكهم آنذاك، لكفُّوا عن الناس شر لسانهم الذي لا ينفع معه أقوى مبيد حشري، لكنهم اختاروا طريق الجبناء في الدفاع عن ملكهم، طريق السب والشتم والتعرض للشرف.

بين من يتلاعبون بمبادئهم، يفصلونها كل مرة لتتناسب وقياسات مصالحهم، فيخيطون الأكمام أطول قليلاً، ويتركون الياقة مفتوحةً، حتى إذا ما انحنوا، كان الانحناء أسهل وأشبه بركوع العبد لسيده.. وبين من يمارسون النفاق في العلن والخفاء، تحت اسم "لكل امرئ ما نوى"- فقدنا بوصلة الأخلاق والمبادئ، وكبرت الفجوة كثيراً، ومَخرج الطوارئ الوحيد ليس في ممارساتنا تلك الأخلاق، وحفاظنا على تلك المبادئ؛ بل في إيماننا المستمر بها، مع تحمُّلنا تكاليف الخسارة عند أول اختبار، أياً كان حجم تلك الخسارة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.