المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خولة شنوف Headshot

كم مفتاحاً لديك؟

تم النشر: تم التحديث:

"لا أصدقاءَ لديّ" قالتْها بحُرقةٍ وأسى يجعلانِكَ تُشفقُ عليها، فلم يسبقْ لها أنْ صادفتْ -بحسبِ قولها- صديقةً وفيّة تقفُ معها ضدَّ صُرُوف الدّهر وخذلانِ الحياة.. هي تعترفُ بأنّها كانتْ ساذجةً عندما جعلتْ يوماً من صديقتها بيتَ أسرارها وموطن حكاياتها وملجأَها الوحيد، فلم يكنْ من تلكَ الجاحدةِ -على حدّ وصفها- سوى أنْ تخونَها كما في الأفلام والمُسلسلات معَ حبيبها الذي اختارتهُ أن يكونَ زوجاً لها.

تقول: "لا آسفُ عليه بقدر أَسَفي عليها. فالطّعناتُ الأكثرُ إيلاماً تأتي من الأشخاصِ الذين لا نتوقعهم"، ثم لا تلبثُ أنْ تمسحَ دمعةً خجولةً، وتتابعَ بإسهابٍ وصفَ ما حصلَ معها من مشاكلَ بسبب صديقتها وصديقاتٍ أُخريات، معترفةً بأنّها لم تُحسِن اختيارهنّ؛ لتختمَ ما قالتْه بعبارة: "ليسَ ثمّةَ أصدقاء في وقتنا. إنّها كذبةُ ليسَ إلاّ"، لم أرغبْ بمُقاطعتها أو الاعتراضِ على ما قالتْه، فقد كانتْ حزينةً بما يكفي لجعلِها تُفرِغُ ما في قلبها من حزنٍ وألمٍ دفينيْن، وكذلك لأنَّ جزءاً كبيراً ممَّا قالته حقيقةٌ لا يمكنُ إخفاؤُها أو حتى نُكرانها.

ولو فُتِح المجالُ أمامَ الجميع لكتابةِ وسردِ حكاياتِ الخيانة والغدر بينَ الأصدقاء والصديقات "لجُفّتِ الأقلام ورُفِعَت الصّحف" دونَ أن تنتهيَ تلكَ الحكايات، على الرّغمِ مِنْ أنّني أحمدُ الله أنّني وُفّقْتُ في اختيارِ أصدقائي المُقرّبين ولم يحدُثْ وأنْ تعرّضتُ لموقفٍ يجعلني أندمُ يوماً على سوءِ اختياري، أمّا عن تلكَ الصّداقات العابرة فهي بالنسبةِ إليّ كَمَا الأمواج، إذا لم تكُنْ تجيدُ السّباحة جيّداً. فَسَتغرَقُ لا محالة.

دائماً ما كنتُ أعتبرُ أنَّ معايير اختيارِ الصّديق "الحقيقيّ" في حياتك تختلفُ تماماً عن معاييرِ اختيار الصّديق "العاديّ" لأنّ اختيارَهُ لا يكونُ عبثاً. وإنّما يكونُ خاضعاً لتجاربَ عديدة، واختبارات لا تنتهي، وعندَ سقوطِهِ في أوّل اختبار يفقدُ تلكَ الصفة ليعودَ عادياً كما كان، فلا تستطيع أن تقولَ عن فلان بأنّه صديق لمجرّد مرورِ يومٍ أو حتّى شهرٍ وعامٍ على تعارُفكِما.

لأنّ اختيارَ الصديق يشبهُ إلى حدٍّ ما إجادةَ الطّبخ. حتّى تحصلَ على نتيجةٍ مُرضية وطعمٍ لذيذ. يجبُ أن تُطْهَى وجبتُكَ على نارٍ هادئة، واعلموا أنَّ الصّداقةَ تزدادُ ألقاً وقيمةً، كلَّما كانتْ أكثرَ قِدَماً، خاصةً وأنّنا قد أصبحنا في وقتٍ غدَتْ فيه الصّداقاتُ مبنيةً على المصالح، وبِتْنا نبحثُ عن الصديق الحقيقيّ "بالميكروسكوب" كَمَن يبحثُ عن إبرةٍ في قشْ. والحَذَرَ الحَذَر مِنْ أن تكونَ نتيجةُ بحثكَ في النهاية مجموعةً من "البكتيريا" الضّارة.

بعيداً عن التعريفات الاعتياديّة للصّديق الحقيقيّ والمعروفةِ عندَ الجميع. والتي تكون في أغلبِها أشبهَ بأقوالٍ مأثورةٍ نردّدها مُذْ كنّا صغاراً. أحببتُ أن أشارككم بمقطعٍ عن الصّديق. لفتَ نظري أثناءَ مُطالعتي لكتابِ "المُعانقات" لـ "إدواردو غاليانو". هذا المقطع كَتَبَهُ تحتَ عنوان "الاحتفاءُ بالصداقة 1" وهنا تساءلت: هل سبقَ وأنْ أطلقتُم على أصدقائكم ألقاباً وأسماءَ غريبة وذاتَ معنى كَ مفتاحي مثلاً أو ربّما خبز أو بلاد؟ يقولُ إدواردو غاليانو: "على أطرافِ هافانا يُسمّون الصّديق "بلادي" أو "دمي" في كاراكاس الصديق هو "خبزي" أو "مفتاحي" المخبزُ، مصدرُ الخبزِ المفيد الذي يُطفِئُ جوعَ الروح.

روى لي ماريو بينيديتي كيفَ أنّه حينَ عاشَ في بوينس آيرس في أزمنةِ الإرهاب كانَ يحملُ خمسَةَ مفاتيح في سلسلتهِ، مفاتيحَ خمسةِ منازل. لخمسةِ أصدقاء: المفاتيحُ التي برهنتْ على خلاصِه، أنتَ لا تستطيعُ أن تسلّمَ مفتاحَ بيتكَ لأحدٍ إلاَّ إذا كُنتَ تثقُ به ثقةً عمياء، لو نظرنا إلى ما قاله "غاليانو" واعتبرْنا أنّ الأصدقاء هُم مجموعةٌ من المفاتيح. فسيكونُ عددُ مفاتيحكَ في هذه الحالة لا يتعدّى أصابعَ اليد. وستنقسمُ تلكَ المفاتيح إلى درجاتٍ بحسبِ امتيازِها.

- فهناكَ مثلاً مفتاحُ "الخَزْنة" وهو عادةً ما يكونُ سرّياً جداً وخاصاً ولا يمتلكُ أحدٌ سواكَ نسخةً عنه. يقابلهُ هنا "الصّديقُ الوفيّ" الذي "يضرُّ نفسَه لينفعك". الصّديق الذي اخترتَ أن يكونَ توأمك وبيتَ أسرارك وسَنَدك و"أنت" في كلّ حالاتك.

- وهناكَ مفتاحُ الغُرف وهو مفتاحٌ قابلٌ للتغيير وقابلٌ للضّياع أيضاً، إذا ما فقدْته يوماً فلن يُحزِنك أمرُه لأنّك تستطيعُ أن تحصلَ على مفتاحٍ سواه، أو شبيهٍ له بسهولة، يقابله هنا: "الأصدقاءُ المؤقتون" الذين تجمعكَ بهم فترةٌ زمنيةٌ ثمّ تنتهي تلكَ الصّداقة أو تبقى بحدودِ الرسميات. كَأصدقاءِ العمل أو أصدقاء وزملاء الجامعة.

- وهناكَ مفتاحُ البيت، هو مهمٌ إلى درجةِ أنّكَ لا تستطيعُ الاستغناءَ عنه وفي نفسِ الوقت إذا ضاعَ منك تستطيعُ أن تغيّر القفل وتأتي بمفتاحٍ جديد بأسرعِ وقتٍ مُمكن ويقابله هنا: ذلك الصّديق الذي لا تملُّ مِنْ رؤيتِهِ ومَجالسِه، رفيقُ ضحكاتكَ وأيامكَ التّعيسة والسّعيدة، إذا حصلَ وفقدْتَهُ يوماً لظرفٍ ما فسيتركُ فراغاً كبيراً في قلبكَ وحياتك، ولكن مع الوقت ستعتادُ على غيابهِ ولوْ مُجبراً، وسَيُصبحُ لديكَ أصدقاءُ جُدد يملؤونَ الفراغَ الذي تركُه خلفَه.

وأنتم، لو اعتبرتُم أنّ أصدقاءَكم الحقيقيّين همْ مجموعةٌ منَ المفاتيح القليلةِ والنّادرة.. فكمْ مفتاحاً لديكُم يا تُرى؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.