المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خولة شنوف Headshot

أَلَاَ ليتَ اللِّحى كانتْ حشيشاً!

تم النشر: تم التحديث:

منذُ فترةٍ وجيزةٍ، تَدَاولَ البعضُ فيديو لإبراهيم الفقي، يُثبِتُ كذبَهُ وسرقاتِه المأخوذةَ بالحرف من مُدربي تنميةٍ أجانب، والتي اكتُشِفَ فيما بعد بأنَّ كُتبَهُ عبارةٌ عن جُمَلٍ مسروقةٍ من هنا وهناك، وأنَّ الرجلَ الذي لا تجوزُ عليهِ سوى الرحمة، أبدعَ في السّرقةِ باحترافٍ كبير، في وقتٍ لم تكُن قد وُلِدتْ فيه مواقعُ التواصلُ الاجتماعيّ بعدْ، وهذا ما فتحَ المجالَ -ربّما- لِيسْرِقَ دونَ أنْ يعلمَ بهِ أحد.

أكتبُ هذا المقال ومئاتُ الأفكارِ والأحداثِ تتراقصُ في رأسي بينَ صعوبةِ ترجمتها إلى كلماتٍ على ورق، وكأنّها في مخاضٍ عسيرٍ، وبينَ تزاحُمِها فيما بينها، أيٌّ منها تحظَى بالاهتمامِ منّي أولاً، أكتبُ بعدَ أنْ أصبحتْ وسائلُ التواصلِ زادَنا وعَتَادنا اليوميّ منَ الألمِ والخيبات، وكأنْ لا شيءَ بالمجَّان في هذهِ الحياة، لا بدّ لنا من دفعِ ثمنٍ ما، مقابلَ كلّ ما نحصلُ عليه حتى لو كانَ الثمنُ سقوطاً شاهقاً للبعضِ، مِن العَيْن.

ها هيَ الأحداثُ تتوالى ويتوالى معها تلاشي الأقنعة، عمّن عهدناهم لا يخافونَ في اللهِ لومةَ لائم وعمّن ظنّننّا يوماً بأنّهم أشبهُ بالملائكة، وبأنَّ معادنهُم لا تصدأُ مهما مرَّ عليها من الزمان، فإذا بالأقنعةِ كانتْ معطوبةً من الأساس. ها أنا ذا أكتبُ عنهم وأنا مُحبطةٌ بائسة، أتذكرُ كمْ كنتُ أحبُّ أحاديثَهم ومحاضراتِهم، وتلكَ الصُورة الجميلةَ التي رسمتُها في مخيّلتي عنهم، وكيفَ كنتُ أُتابِعُ خُطَبَهم ودروسهم المليئةَ بالنُّصْحِ والوعْظ والإرشاد.

سمُّوها حُمْقاً، سمُّوها غباءً، أو سذاجةً وقلّة حيلة، كما يحلو لكم، ولكنّها الحقيقة، فالإحباطُ عندما يأتي ممّن كنتَ تعتقدُ أنَّ الزمان يتغيّر، وهم لا يتغيرون، أصعبُ بكثيرٍ من أيّ إحباطٍ آخر يأتيكَ من أيٍّ كان.

أصبحَ هؤلاءُ كُثُراً، بل القائمةَ في ازدياد، كانوا صَرْحاً فَهَوى الصَّرحُ، وبقيَتْ أشلاؤُه الحجرية شاهدةً عليه.

هل أتكلّم عن "حسن نصر الله" الذي صَدَع رؤوسنا بالمُقاومة ضد إسرائيل، والذي سرقَ قلوبَ الجميع في حربِ تموز بشعاراته وخطاباتِه وبنضالهِ ضدّهم، والذي فتحَ له السوريونَ أبوابَهم وقلوبهم، فقابلَ الحَسَنة بالإساءة، والحبّ بالقتل، وأصبحَ نضالُهُ مزيّفاً وأسلحتُه موجهةً على مَن كانَ يردّدُ معه بعدَ كلّ خطابٍ وبكلّ وفاء: "الموتُ لإسرائيل" و"نصركْ هزّ الدِنِي"؟

أم أتكلّم عن الشّيخ "محمد سعيد رمضان البوطي" الذي كانتْ كتبُه تملأُ رفوفَ مكتبة بيتنا، والذي كنّا نتوقُ شوقاً لدروسِهِ في كلّ اثنين وخميس في جامع الإيمان بدمشق، ولكنّه كسرَ أفقَ توقعاتنا، واختارَ أن يكونَ في صفّ بشار الأسد مشبّهاً جنودَه بصحابةِ رسولِ الله، وناعتاً مَن يخرُج مِنَ الجوامعِ للتّظاهُر بالحُثالة الذينَ لا تعرفُ جباهُم للسُّجودِ سبيلاً!

أم أتكلّم عن عمرو خالد، الذي فقدْنا الأملَ منهُ جميعاً، بعد أنْ وقفَ معَ الظالم ضدّ المظلومين، فأصبحَ يخرجُ علينا كلَّ مرةٍ ببرنامجٍ جديد، وتصريحاتٍ للّفتِ النّظرِ نحوَه لا أكثر، أم عنْ شُيوخِ البَلاط والسّلاطين، وما أكثرَهُم حينَ تعدُّهُم، عن محمد العريفي، أم عائض القرني أم الكلبانيّ أم عن عبد الرحمن السديس؟ أم عن سعد دريهم الذي وجدَ الحكمةَ والبصيرةَ في القراراتِ التي اتّخذتها دولتُه ضدّ قطر، هو نفسُه الذي غرّد يوماً في حسابِهِ على تويتر بأنّ "حلّ مشكلات الأمة في الجهادِ في سبيل الله، وبأنّنا سنرى الجحافلَ يوماً متوجهةً لسوريا وهناك ستكونُ ملاحمُ النصر والتمكين، وختمها بقوله:

"واللهُ غالبٌ على أمرهِ ولو كَرِهَ الكافرون"، ثم غرّد بعدَها بثلاث سنوات، مهنّئاً ابنه على تخرّجِهِ وحصولهِ على شهادةِ الماجستير، من جامعة "شاوني ستيت" بولاية "أوهايو".

أمثال سعد دريهم كُثر، فأغلبُ أبناءِ وبناتِ الدُعاة الذين ينادي آباؤُهم "حيّ على الجهادِ" غالباً، هم مَن تراهم يتسابقونَ لمسحِ بلاطِ أسيادهم، والسُّكوت عنِ الحق، وترى أبناءهم يدرسونَ في جامعاتٍ أجنبية، بل إنّ مِنهُم مَن يلاحقُ "الموضة" في اللباس ويُمارِسُ "المُيُوعةَ" في الكَلاَم، وكأنّهم لا ينتمونَ للبيئةِ التي خَرجَ منها آباؤُهم، وكأنَّ هؤلاء الدعاة لم تأتِ دعواهُم أُكُلَها على أهلِ بيتهم، فأخذُوا يجرّبونها على أتباعهم مِمّنْ ظنّوا أنّهم يُصيبونَ دائماً، فاتَّبعوهُم كما يتّبعُ الأعمى خُطُواتِ عَصَاه.. هؤلاء، مِنَ الذينَ تحلُو في عُيونهم الثورات في البُلدانِ الأخرى، أمّا في بلدانهم فلا يتجرأونَ حتّى على قولِ الحقيقة، فَينقسمُون بين ساكتٍ عن الحق وبين محرّضٍ على الباطل.

وكأنّه لا تكفيني الصّدماتُ مِن كُلّ مَنْ سبق وسواهم، حتى تأتيني هذه المرة من شيخٍ آخر، ظنَّ أنْ لا سواهُ على الساحة، فامتطى الجِدالَ حصاناً، وأخذَ يُسابقُ كلّ مَن خالفهُ بالشّتم، أتابعهُ بصمتٍ وغضب، وهو يناقشُ الإعلامية "خديجة بن قنة"، ويخرجُ عن عباءةِ الداعية كالعادة، ليتحوّلَ إلى بلطجيّ، يحتقرُ مَن يُعارضهُ ولا يجدُ بُدّاً في سَبّهِ، إذا لزِمَ الأمر، وسيم الذي ربّما لو كانَ في عصرِ الرسول لَسَابق الناس في بناءِ مسجدِ "ضرار". أُراقبهُ بأسى لأنني ذاتَ يومٍ، كنتُ مِنْ مُتابعيه، ومِمّنْ أحسنَ الظنَّ فيهِ فَخَاب، أمّا اليوم فيحضُرني قولُ الشّاعر الحِمْيريّ، وأنا أشاهدهُ هو ومَن على شاكلته: ألاَ ليتَ اللّحى كانتْ حَشيشاً فَنَعْلِفَها خُيُولَ المُسلِمينَا.. أصبحتُ اليوم أصبّرُ نفسي وأنا أشاهدُ هؤلاء.

فقدْ اعتدْنا أنْ تأتينا الخيباتُ ممّن رسمنا لهم صورةً برّاقة في أذهاننا، واعتقدنا لوهلةٍ بأنّهم معصُومونَ عن الخطأ، بريئُونَ منه، ولكنّ في السنواتِ الستّْ الأخيرة، سقطتْ كلّ الأقنعة، ومعها اللّحى، فأثبتوا لنا أنّهُم وحدهُم القادرونَ بدُّبوسٍ صغير، أنْ يُفرقِعوا بالونَ المفاجأةِ في عُيوننا، حتى أصبحنا نُسيء الظنَّ في الجميع، ما عُدْنا نأتمنُ على أفكارنا عندَ أحد، وما أصبحَ بمقدورنا تحمُّلُ وصايةٍ أو وعظٍ مِنْ أحد، ولم نعُد ندري أنضحكُ أم نحزنُ ونحنُ في كلّ مرةٍ نتفاجأُ، بل نُصعقُ بِمَن اعتقدنا بأنّهم يقولونَ الحقّ لا سِواه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.