المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 خطاب عبدالباسط خطاب Headshot

حقوق المرأة بين التجديد والخِطاب الإسلامي المتهالك

تم النشر: تم التحديث:

من يعيش دون مصدراً للإلهام في حياته، قد يبرر له الوقوع في الخطأ والتناقضات، أما المجتمع المسلم - بشقّيه العامة والعلماء - فمن المؤسف أن تجد بعض الروايات والآراء المتضاربة التي لا تنسجم وقواعد الإسلام وأصوله سبيلاً إلى أفئدتهم، كالآراء والفتاوى التي تنتقص من مكانة المرأة وتهضم بعضاً من حقوقها وتنظر إليها - أي المرأة - كـ (شيء) تابع للرجل.

فما دور الخِطاب الديني في ذلك؟ وهل غياب المنهجية العلمية في تقييم الآثار والمرويات، والافتقار لأسلوب التفكير الناقد هو السبب؟ وكيف يمكننا تطبيق تلك المنهجية؟ نضع الإجابة بين أيديكم في هذا المقال.

يختلف الفقهاء في الكفاءة بين الرجل والمرأة، من حيث اعتبارها شرطاً لصحة الزواج أم لا، والأصل في الاختلاف أن يحاكم إلى قواعد الإسلام (مقاصده) وأصوله (القرآن والسنة) قبل الانحياز لرأي والتسليم له، ولو نظرنا إليه - أي اشتراط الكفاءة - لوجدناه مخالفاً لمقصد العدل، على اعتبار أنه يعزز النزعة العنصرية في النفس والمجتمع، ومخالفاً للأصول {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} {الحجرات: 13}. ولوجدنا أن الحب وحرية الاختيار هما المعيار الأساسي للزواج، كما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين سُئِلَ عن زواج فتاة يتيمة فقال: (زوجوها لمن تحب، لم يرَ للمتحابين غيرَ النكاح) في رفض تام لتجاهل أحاسيسها أو تجاوز حريتها.

وهذا يؤكد بشرية الاجتهادات الفقهية، وأنها قد تصيب أو تخطئ أو تتعارض، ما يعزز أهمية دورنا كمسلمين لتقييمها ونقدها والترجيح بينها.

وقد لا يخفى على المتأمل في قصة نبي الله زكريا (عليه السلام)، مدى صبره على عقم زوجته وبقائه إلى جانبها (لم يتزوج غيرها)، دون أن يشعرها بوجود مشكلة (دعاؤه الخفي)، وكأن الزواج قدر موحد للشريكين بحلوه ومره، على الزوج -كما الزوجة- التضحية في سبيله.

ولعل هذا سبب بشارته بـ"يحيى" اسم مشتق من فعل الحياة؛ إشارة إلى استمرار وتجدد المودة والإخلاص بينهما {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} {الأنبياء: 90}. والذي نفهمه مما سبق أن الإسلام يحترم مشاعر المرأة أولاً، ويقدرها ويرفض اعتبارها كياناً تابعاً للرجل ثانياً.

إن من أكثر ما يثير دهشتنا واستغرابنا ما ينسبه كثيراً من العامة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) من إقراره طاعة المرأة زوجها والتسليم له، حتى فيما يتعلق بمعصية الله، كإعطاء الزوج الحق والسلطة بمنع زوجته من الخروج وإن كان لزيارة أبيها وإن كان مريضاً، وهذا يسيء للإسلام ولنبي الله (صلى الله عليه وسلم).

فهل يعقل أن تعامل المرأة كأنها جارية (أو دون ذلك) يحق أسرها واحتقارها ظلماً وعدواناً باسم الإسلام، في مخالفة واضحة وصريحة للعقل والفطرة أولاً، والكتاب والسنة ثانياً، فالقرآن أكد عدم طاعة الأبوين في معصية - رغم قرنها بعبادة الله - {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا...} {لقمان: 15} فكيف بطاعة الزوج؟ ووصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): (أكرموا النساء، فوالله ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم) و(رفقاً بالقوارير) و(أوصيكم بالنساء خيراً).

فمثل هذا الأثر لا يحتاج إلى فتوى تقرر بطلانه، وإنما لعقول متفتحة وشيئاً من التفكير وعدم السلبية.

ولعل الخِطاب الديني التقليدي لم ينصف النساء، بل ولربما كان سبباً في ذلك، مما أدى إلى تبلور تلك النظرة المجتمعية للمرأة.


ففيما يتعلق بالحقوق، يمكننا أن نفهم ونقر عقلاً وشرعاً بأن ميراث المرأة نصف ميراث الرجل، لكن الذي يستعصي علينا فهمه هو اعتبار أكثرية الفقهاء دية المرأة نصف دية الرجل، بحجة أنه الطرف الأصلح، وهذا فيه لغط كبير، ومعناه بعيد كل البعد عن مقاصد الإسلام المتعلقة بالمجتمع (مقصد العدل)، والمتعلقة بالفرد (حفظ النفس) فالنفس واحدة لا علاقة لها بالجنس بداهةً، بل على العكس تماماً من حجتهم، فإن المرأة هي الأصلح في نطاق الأسرة - تربية الأطفال - وفي المجتمع كانعكاس لذلك، وهي الطرف الأضعف والأكثر تعرضاً للعنف والاضطهاد والاغتصاب والاختطاف والقتل - جاء في مقال تابع لمنظمة الأمم المتحدة: (يمس العنف القائم على أساس نوع الجنس 30% على الأقل من النساء على النطاق العالمي) - وهي جميعها أمور تتطلب احتياطات أفضل للمحافظة على المرأة وحمايتها - والدية مثال - والغريب أن المُنَصْفِين ردوا الأثر المنسوب لرسول الله (وفى النفس المؤمنة مائة من الإبل) وقالوا حديث شاذ، فلا يكفي تجاوزهم للفطرة والعقل والمنطق بل ردوا الأثر وكأنهم لم ينظروا الآية الثانية وتسعين من سورة النساء أيضاً {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ...} {النساء: 92}.

والملاحظ أن عقدة التنصيف امتدت لأمور أخرى كالعقيقة مثلاً! أو الحرمان كلياً من بعض الحقوق التي لا يمكن تنصيفها، كالمناصب القضائية والرئاسية دون أي دليل على ذلك، فحديث (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) يصف حالة الفرس في تلك الفترة، وليس حكماً شرعياً أو دليلاً صريحاً يبنى عليه حكم. إلا أن قصر النظر عند فقهائنا وسلبية المسلمين حالا بيننا وبين الفهم الصحيح للإسلام ومقاصده.

متى يدرك المسلمون أن الإسلام جاء وسيبقى محارباً للظلم والتمييز ضد المرأة، فهو أول نظام يقر مبدأ المساواة العادلة {وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ} {البقرة: 228}، وأول دعوة تحرر للنساء ونيل كامل حقوقهن، في سابقة من نوعها على مر التاريخ.

إلا أن الإسلام أضحى يُستَغَل للأسف لسلب النساء شيئاً من حقوقهن، وهذا من أبشع أنواع الظلم، حتى وإن كان في أغلب الأحيان عن جهل ودون قصد، فمهما تعددت المظالم فإن الظلم بإسم الإله يبقى الأسوأ على الإطلاق.

وما دمنا نحتفظ بهذا الفهم التقليدي والمتناقض، الذي يُرَوَج له على اعتبار أنه الإسلام، فلن نصنع ديناً (سيؤدي إلى رفض الشباب كل ما ينافي العقل والفطرة، وإلى محاولتهم البحث عن بدائل كالعلمانية والإلحاد) ولا دنيا (بحرمان نصف المجتمع من حقوقه وواجباته ومسؤولياته تجاه المجتمع والأمة) وسيقف الخِطاب الديني المتهالك عاجزاً أمام هذه الكارثة، بعد أن كان سبباً رئيسياً لها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.