المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خولة مغار Headshot

بَيْنَ عَالَمَيْن!

تم النشر: تم التحديث:

إننا نعيش حاليا في عالمين مختلفين تماما, عالم حقيقي ملموس, وعالم افتراضي وهمي, ونمتلك شخصيتين اثنتين مختلفتين, شخصية حقيقية وشخصية افتراضية , نعيش بينهما حائرين تائهين, متسائلين عن كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من السكيزوفرينية, لا نعي في الأصل من نحن, هل الشخصية الأولى أم الثانية, أم إننا خليط منهم.

إن ما حدث لنا قريب من قصة "أليس في بلاد العجائب", فقد كنا نعيش بسلام في عالمنا, علاقتنا مع الأشخاص حقيقية, فإن اشتقنا إلى شخص ذهبنا إليه وعانقناه بأيدينا, وإن أحببنا شخصاً أحببنا شكله أو ربما طريقة نطقه للكلمات وحركة يديه معهما, وإن ناقشنا شخصاً ناقشناه على طاولة ووجوهنا متقابلة نتبادل أطراف الحوار بكل ثقة, وإن أزعجتنا قضية وأردنا الاحتجاج إما لنا كل الشجاعة أن نقف في الشارع ونصرخ بما لدينا, أو أن ننكمش في بيوتنا إلى أن نكتسب تلك الشجاعة.

إلى أن اكتشفنا بلاد العجائب, فدخلنا إليها مترددين في البداية ,أقبلنا عليها كطفل صغير يتذوق الشوكولاتة لأول مرة, وجدناها غريبة ,جميلة, ممتعة حتى أننا لم نعد نريد مغادرتها, فإن اشتقنا إلى شخص أرسلنا له فقط بوكاً أو رسالة لن تأخذ من وقتنا سوى ثوان معدودة, وإن أغضبنا شخصاً, فقط مسحه من لائحة الأصدقاء يزيله من حياتنا نهائيا, وإن حاورنا شخصاً نحاوره من وراء الشاشة فنكون أكثر جرأة على قول ما نريد لأننا لن نحس بالخوف و الارتعاش أمام عيونه, وإن أزعجتنا قضية كتبنا ما نريد عنها وجمعنا أكبر عدد من المشاركين والمؤيدين, فقط ونحن جالسين في سريرنا لم نتحرك, أليس هذا بلد العجائب!

إن ارتباطنا الوطيد بالعالم الافتراضي, جعلنا نتخيله وكأنه عالمنا الواقعي, فنحس أنهما متقاربان جدا, في كليهما لنا اسم وصورة شخصية , ولنا حائط خاص بنا وهو تشبيه لغرفتنا الشخصية في الواقع, وفيه مجموعات لأشخاص يتبادلون أفكارا, أسرارا, أهدافا وهو كالأسرة أو مجموعة الأصدقاء أو قسم الجامعة في الحقيقة, ومنهم من ذهب إلى أبعد من هذا فبدأ في بناء مزرعته السعيدة التي سيقيم وسيعمل فيها.

فلماذا أحببنا هذا العالم أكثر من اللازم, لماذا وجب علينا أن ندخله فور استيقاظنا صباحا حتى وقبل أن نغسل وجوهنا, لماذا ونحن جالسون مع أصدقائنا وعائلتنا وأحبابنا نحمل الهواتف بين أيدينا ونعيش في هذا العالم الوهمي غير مبالين بمن حولنا, فتجدنا نبتسم تارة ونبكي تارة ونكلم أنفسنا تارة أخرى.

هل لأن فيه تذوقنا طعم الحرية أكثر, أو لأن فيه تغدو الحياة أسهل, فمن السهل أن تكتسب أصدقاء فقط بكبسة زر واحد, ومن السهل أن تقول ما تريد وتعبر عن ما يخالجك وأنت في اي مكان, فتنتقد هذا وتسب هذا, وتمدح الأخر, وفيه فقط بإمكانك أن تكون اليوم فيلسوفا وغدا أديبا وبعدها داعية وأحيانا محللا سياسيا, وأنت في الواقع لست أي شخص منهم, فقد يصعب عليك حتى قول جملة واحدة أمام عدد قليل من الناس في الحقيقة.
إن العالم الحقيقي هو عالمنا الأصلي ولا شيء سيعوضه, فيه نحس بقيمة الأشياء, بقيمة الأشخاص, بقيمة الإنجاز, بقيمة الحياة, لا تحاول الهرب منه لأنك في يوم ما ستجد أن الأشخاص الذين تركتهم في الواقع قد سبقوك كثيرا واجتازوا أشواطا عديدة, وأنت لا زلت بين أسوار العالم الافتراضي عاجز عن الخروج منه, وإذا خرجت منه يوما فستجد نفسك تأخرت كثيرا بعدما فقدت كل شيء.

العالم الافتراضي هو إتمام للعالم الحقيقي, فلا تحاول أن تجعله عالمك فتندم.

هناك مخلوقات تعيش بيننا... تشبهنا كثيرا في الشكل... هم أيضا لهم أنوف وأفواه وعيون... يتكاثرون بشكل كبير.. فقط قبل سنوات لم نكن نعرفهم... يأكلون ويشربون كذلك.. أغلبهم فاشلون دراسيا ومن الممكن عمليا أيضا... يفهمون في كل شيء... وينتقدون أي شيء.. من الممكن أن يكونوا أصدقاءنا... أو معارفنا.. أو فقط شخصيات وهمية على المواقع الاجتماعية,

هذه المخلوقات الغريبة نجدها في المواقع الاجتماعية وفي تعاليق بعض الجرائد الإلكترونية, تكتب عن كل شيء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.