المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خولة غريبي Headshot

غرباء تتشابهُ قصصهم!

تم النشر: تم التحديث:

قد أيقنت -يا صديق- بعد كل هذا المسير، أن قدر القلوب الشفيفة التي تبحث معنى الحياة، إنّما هو الغربة!

هم غرباء في هذه الأرض؛ لأنّهم يفهمون أنها ليست بوطنهم بل هم فيها مُسافرون، كالطير تحلّق في الفضاء لا تملكه.

هم غرباء؛ لأنّ الشوق والحنين لا ينفدان من قلوبهم، توّاقون هم أبداً. هم غرباء عن عالم محكم بماديّة مقيتة، فأرواحهم جذوة من الشعور لا تخبو. هم غرباء عن دائرة أفهام ضيقة ترى الأفعال تدور في فلك الانتهازية والأنانية والطمع الفاحش وجشع المشاعر، وهم منطقهم صدقٌ يهدرُ في أعماقهم. هم غرباء على قلوب لا تتسع لجواهر النفس المخبوءة بل تغريها المظاهر البراقة حد الخداع والنجاحات الصارخة حدّ الزيف. هم غرباء؛ لأنّهم كالطير يسعون من سماء إلى سماء ويقلّبون وجوههم باستمرار ينقّبون عن المعاني المزروعة في دروب السعي الطويلة المخطرة المنهكة. هم غرباء لأنّهم يضحّون -وهم يسلكون خياراتهم- بكيان أجوف ولو كان قصراً فخماً في أعين الآخرين. هم غرباء؛ لأن جلسة في ظلال شجرة وارفة وفي حضن سماء مدرارة بالحكايات تشغلهم عن الدنيا وما فيها من مجالس أنيقة ومطاعم بديعة.

هل عرفت يا صديقي لماذا يقال: "طوبى للغرباء"؟!
لأنّهم خفيفون كنسمة لطيفة، لا يثقلون على أحد؛ لأنهم يعطون أكثر مما يأخذون، وإن أخذوا فتكفيهم نظرة حانية وابتسامة صادقة ومشاعر دافئة.

"طوبى لهم"؛ لأنهم يسيرون على نور أرواحهم، فإن بهتت عادوا إليها واستصلحوها وزوّدوها، أرواحهم تنبض بالحياة دوماً؛ لذلك هم صادقون.
"طوبى لهم"؛ لأنهم لا يتعلّقون بالسفاسف التي تترك الإنسان مدفوناً في السفح، بل رؤاهم البعيدة تحلّق بهم نحو القمم، ولو كان التحليق منهكاً، فالصبر من شيمهم؛ لأنهم يبصرون فجراً ينبلج مع ولادة كل معنى.

"طوبى لهم"؛ لأنّ أفئدتهم كأفئدة الطير، أفئدة تسمع توجّع الأرواح الصامت وتبصر حزن القلوب الدفين.

"طوبى لهم"؛ لأنّ لا شيء يملكهم بل هم أغنياء على قدر عطائهم، هم أحرار بالمحبّة والنظر إلى مساحات الروح الرحبة رغم كل ضيق. هم لا ييأسون؛ لأنهم ينظرون الورد من وراء الأشواك. فتظلّ الدروب ممتدة أمامهم يطوونها لا يطلبون مجدهم بل يصبون لتحقّق الإنسان المغترب في حال الدنيا والمشتاق إلى وطن خالد تسكن فيه كل أوجاع غربته.

هم الغرباء فطوبى لهم! طوبى لهم يا صديق!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.