المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خولة غريبي Headshot

عن المعنى في ما نعيش..

تم النشر: تم التحديث:

لابد من أن أذكّر نفسي كل مرّة وأنا أسدّد وأقارب في حلبة المعارك اليوميّة أن أسقي الأفعال بالمعاني حتّى يغدو الفعل عملاً ذا أبعاد تُجيب عن أهدافي..
لابدّ من أن أكون يقظة لألّا أذوب في اليوميّ كقطعة سكر في بحر مالح..
لابدّ من أن أكون حذرة من التعامل مع الخطوات والعتبات بأسلوب ميكانيكيّ يسرق إرادتي وإيماني وبصمتي..

كلّ تجربة أخوضها تقول لي إنه لا شيء يمرّ بالطريقة المثلى التي تصورناها. التجربة أبصرتني كمّ المعارك المحتدمة مع الذات التي قد تتعب وتُحبَطُ وتَضعُفُ، ومع محيط نضيق بأسلوبه الماديّ الذي يسخر من إنسانيّتنا، ونضيق بمنطقه المحكوم بالمصلحيّة الصرفة حدّ الوقاحة. والحلّ؟ الحلّ أبداً لن يكون في التوقّف عن السير والمطالبة بالتغيير الجذريّ من خلال الانتقاد اللاذع الذي قد يفضح مكامن الضعف لكنه متعنّت حدّ رفض شتّى تصوّرات ومحاولات الإصلاح؛ لأن نظرته للأمور حادّة طوباويّة لا تتناسق فيها الأدوات الممكنة مع سُبل الارتقاء.

الحلّ في البحث في المُمكنات والتحرّك في مساحة المُتاح بذكاء لا بتعالٍ. الحلّ النزول من شرفة الأحلام إلى مواجهة الحقائق بشجاعة.

التجارب اختبار المبادئ وموعد تجلّي المكنونات. أنتغنّى بالأمل وننكسر مع أوّل ألم ينفث ريحه على أرواحنا؟ أنُعجَب بالصبر ونحن لا نترك كلاماً إلّا وشحنّاه بشكوانا وسخطنا على الظروف والزمان والحظّ.. أنتفنّن في استحضار الصور الشعريّة لوصف مشاعر محبّتنا ونحن فاشلون في إعطاء حبيب يحتاج عطفنا ووطن يتعطّش لعرقنا لكي تعلو أشجاره.

أُدرِكُ أنّ ما عاشه ويعيشه جيلي -في الوطن العربيّ- واقع مثخن بالجراحات والخيبات والهزائم.. نعم نحن جيل وُلد وفلسطين قد سُرقت من أهلها واغتصب كلّ ما هو مقدّس فيها. نحن جيل رأينا بأمّ أعيننا العراق ذا الحضارة الأصيلة يُنتهك ويحتلّ الغريب أرضه ويستبيح حرماته، وكلّ ما هو جميل فيه يُحرق ويُدمّر.. نحن جيل تربّى على الخوف من أنظمة تضع وراء الشمس كلّ مَنْ يفكّر في اختيار طريق للحياة غير التي فرضته.

لكننا جيل عاش بكل جوارحه انتفاضة الشعوب على أنظمة الظلام التي ظنت أن الحرية شمس يمكن إطفاؤها. نحن جيل الحريّة إذن!
فإلى أي مدى نحن مخلصون لهذه الحريّة؟
لأي مدى لن نكلّ من حب أوطاننا المُفقّرة؟
لأيّ درجة سنستمرّ في العمل لأجل مبادئنا لا من أجل مصالحنا الضيّقة؟
لأيّ وقت سنكفّ عن أن تكون أقصى أمانينا النأي عن أوطاننا "المتخلّفة" عن ركب العولمة والهجرة نحو الغرب الساحر بنظامه ودقّته وتدليله لمواطنيه ورفاهيته وأمواله الطائلة التي هي مفتاح سعادة الكثيرين منّا؟
لأيّ زمن سنبقى يائسين من واقعنا ظانّين أن سرعة الضوء لن تكفي حتى نلحق التطوّر الذي يعيشه العالم من حولنا فما بالك بسرعتنا التي أقرب لحركة السلحفاة؟

لكن دعنا نتفق عمّ سيخرجنا من مآزقنا وأزماتنا؟ أهو الإصرار على امتلاك الأشياء أم هو الإصرار على صناعة الأفكار والإلمام بها حتّى بناء وعي جماعيّ وفهم يتقدّم بنا أشواطاً في طريق الإنسانيّة. إنّ الركض وراء امتلاك الأشياء لن يزيدنا إلّا تخلّفاً وتشويهاً لحاضرنا ولمستقبلنا.

الشباب العربي اليوم لا طريق أمامه إلا طريق الوعي، يجب أن يحارب ألّا يُزيّف وعيه ويُبرمج فهمه ونظره للأمور وما يحصل حوله وما يحدث له مهما كان قاسياً. أنا اليوم كواحدة من هؤلاء الشباب أوقن بأن التفاؤل -رغم كلّ القتامة التي تحيط بنا- مع المثابرة في العمل هما الواجب. أولاً نحو ذاتي الإنسانية احتراماً لرسالتها التي أتت من أجلها، ومن ثمّ واجب أمام وطن يحتاجني كما أحتاجه فخراً وحضناً لأجيال تخرج من أصلابنا نرجو لها صعوداً نحو القمم الشمّاء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.