المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خليل كلاعي  Headshot

في سوريا...من يملك الحل

تم النشر: تم التحديث:

فاجأ التدخّل الروسي الأخير في سوريا الجميع من حيث التوقيت من حيث الحجم و من حيث طبيعة الأهداف التي لم يتأخر القصف الجوي في الإفصاح عنها...
يقول الروس أنهم جاؤوا لوقف زحف تنظيم الدولة في سوريا بينما يركز قصفهم على مناطق تمركز الجيش الحر و باقي فصائل المعارضة المسلّحة و هو ما ينفيه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الّذي يقول بأن نطاق العمليات الروسية لا يتجاوز التعامل مع داعش و جبهة النصرة يناقضه في تصريحه هذا الناطق الرسمي باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الذي يقول أن كل من يحارب نظام الأسد هو هدف للعمليات الروسية...
في الحالتين لا يحتاج الأمر للكثير من النباهة لنتبيّن أن الروس جاؤوا لحماية مصالحهم في سوريا و لرفع سقف المفاوضات حول البديل المحتمل للأسد في مرحلة سياسية متقدّمة فالروس يدركون أكثر من غيرهم أن النظام السوري لم يعد يملك أيّا من أسباب و مقومات التماسك أو الصمود و بما أن ملفات أخرى أكثر تعقيدا على رأسها الملف الأوكراني تشغل الروس وتنتظر حلولا غير كلاسيكية فإن وجودهم في سوريا بشكل أكبر سيصلح ربما لرفع سقف المفاوضات في هذا الملف و في غيره من الملفات إلا أن الروس ليسوا الوحيدين أصحاب الحسابات و المصالح في أرض الشام فللأطراف الأخرى أيضا مصالح راسخة تقتضي رحيل الأسد و نظامه بأسرع وقت ممكن و أكثر الأطراف المتمسكة بهذا النهج على الرغم مما يظهره الروس من التزام بإسناد النظام...السعوديون و الأتراك
لنترك جانبا ما يقال عن استتباعات التدخل الروسي و نلقِ نظرة على ما يجري على الأرض فمعطيات الأسابيع الأخيرة بالمقاييس العسكرية و السياسية تبدو محددة جدا فقبل شهر من الأن أطلق جيش الإسلام معركة "الله غالب" و بعد انتهاء المرحلة الأولى من هذه المعركة وقف القائد الشاب لهذا الفصيل العسكري زهران علوش وسط جنوده داخل أحد المواقع الذي كان تحت سيطرة النظام قائلا " في يوم من الأيام كنا نحلم بالوصول الى هذه المناطق حلمًا "
حُق للقائد الشاب أن ينتشي بما أحرزه طوال الأسابيع الأخيرة من تقدّم على الأرض خاصة بعد سيطرته على أكثر من 25 موقعا في كل من غوطة دمشق والقلمون الغربي أهمها قيادة الأركان الاحتياطية للنظام السوري بالإضافة إلى إحكام السيطرة على الطريق الدولي حمص دمشق
لكن النظام السوري يبدو معنيا بالجبهة الشمالية أكثر من الجنوبية فهو يدفع بكل قوته مدعوما بالميليشيات الايرانية نحو حلب في محاولة لكسب معركة نوعية تعيد له و لحلفائه الثقة و تمكنه من استعادة السيطرة على الطريق الدولية حلب دمشق و تقطع المعارضة المسلّحة في حلب عن مركز ثقلها العسكري في إدلب و تبعد عن النظام شبح تمدد المعارضة نحو سواحل البحر الأبيض المتوسّط ...في هذه المعركة يقوم الروس بإسناد النظام جوا على الرغم من ذلك لا يحقق النظام اي تقدّم في هذه المناطق بل إن عكس ما خطط له أصبح أمرا واقعا على الميدان فكلما أراد النظام التقدّم إلا و كان هدفا سائغا لصواريخ "تاو" التي اصبحت المعارضة تستخدمها بشكل مكثف جدا و هو ما كلّف النظام تدمير العشرات من دباباته و مدرعاته في الأسابيع الأخيرة و ما كلف أيضا الميليشيات التي تقاتل الى جانبه الكثير من أبرز قادتها حيث لا تتوقف وسائل الإعلام الإيرانية عن بث بيانات النعي للقتلى الإيرانيين و ما يثير الانتباه فعلا في هذه النقطة أن جل القتلى من الإيرانيين أو من حزب الله هم من القيادات الميدانية المتقدّمة حيث أعلنت مصادر إعلامية إيرانية قبل يومين مثلا عن مقتل القائد في قوات الباسيج نادر حميد و قبله بأيام أعلنت عن مقتل العقيد في الحرس الثوري الإيراني مسلم خرساني و قبلهما الجنرال الإيراني فرشان حسومي زادة و القيادي في الحرس الثوري حميد مختار بند و منذ أكثر من أسبوع القياديين في حزب الله مهدي حسن عبيد و حسن حسين الحاج و قبلهما بأيام أهم قادة الحرس الثوري الإيراني في سوريا اللواء حسين همداني مع العلم أن إيران و حزب الله سبق و خسرا منذ دخولهما في سوريا الكثير من القيادات المتقدمة أهمهم علي أصغري و مهدي خرساني والجنرال حسن شاطري و الرائد محمد حسن عطري و الجنرال حسين بادبا و الجنرال جبار دريساوي و الجينرال أصفر شيردل و الجنرال عباس عبد الله و الجنرال علي مرادي
الغريب في هذه المعركة الدائرة منذ أيام أنه في الوقت الذي تخوض فيه كتائب المعارضة المسلحة مجتمعة قتالا عنيفا ضد النظام في ريف حلب الجنوبي تهاجمها داعش في ريف حلب الشمالي كما تمنع عنها قوات الحماية الكرديّة أي تقدّم نحو الشمال الكردي لتلقي أطراف أربعة هي النظام و ميليشياته من جهة و داعش من جهة ثانية و قوات الحماية الكردية من جهة ثالثة و فوقهم جميعا الطيران الروسي في تحالف موضوعي ضد تقدّم المعارضة
قوات الحماية الكردية كانت الوحيدة ( و يا للمفارقة ) التي أشاد الروس بدورها في محاربة داعش إشادة تلتقي مع ما أصبح لدى الأكراد في شمال سوريا من حظوة دوليّة و تلتقي كذلك مع طموحهم إلى إقامة حكم ذاتي و لما لا دولة مستقلة طالما أن رياح الظرف الدولي مواتية جدا و طالما أن النظام السوري ذي الانتماء العلوي معني جدا بتغيير التركيبة الديمغرافية السورية بحيث يفقد السنة غالبيّتهم لصالح العلويين و ما دَفعُ السوريين السنة الى اللجوء نحو أوروبا ببعيد عن هذا الهدف
المتابع لردود الفعل الغربية تجاه التدخل العسكري الروسي سيستنج رفضا غربيا لهذه الخطوة لكن هذا الرفض لا يبدو حادا جدا أو مبدئيا جدا بالقدر الذي يجعل موسكو تعدل عن فكرة التدخّل و كأن بعض القوى الغربية كانت تتمنى ضمنيا جرّ روسيا الى الدخول بقوات على الميدان حتى تُستنزف و تَضعُفْ و ليس أدل على ذلك من إجابة الرئيس الأمريكي عند سؤاله حول أُفق هذا التدخّل إذ قال " ما الذي ستفعلونه بالضبط، وكيف ستمولونه، وكيف يمكنكم الاستمرار فيه والحفاظ عليه ؟ " يتفق معه في هذا الرأي قادة غربيون آخرون يقولون عند سؤالهم عن التدخل العسكري الروسي في سوريا بأنه سوف يفشل و هناك من يقرأ هذه الإشارة على أن دولا غربية بعينها ستعمل على إفشال هذا التدخّل حتى لا يتجاوز الروس الخطوط الحمراء هذه القراءة تتقاطع مع إعلان الولايات المتحدة اعتزامها مراجعة برنامج دعم المعارضة المسلحة بما يرفع الحظر عن أسلحة معينة على رأسها مضادات الطائرات و تتطابق مع البيان المشترك الذي وقعته الولايات المتحدة وبريطانيا و ‏فرنسا وألمانيا و ‏قطر والسعودية و ‏تركيا ضد الضربات الروسية و تتطابق مع ما قاله وزير الخارجية السعودي من أن المملكة ستستخدم كل قوتها لمواجهة ما تعتبره احتلالا إيرانيا للأراضي العربية و من الأكيد أن الروس يعلمون تمام العلم بكل هذه المعطيات و النوايا غير أن أولوياتهم و تقديراتهم للأمور مختلفة .
وسط كل هذا الزخم الدولي حول سوريا تبدو المعارضة السورية في الخارج منقطعة تماما عن ما يحدث في الداخل قاصرة عن التأثير في أي من المعطيات الداخلية أو الخارجية المتعلقة بالملف السوري و وسط كل هذا الضجيج حول سوريا لا نكاد نسمع لها صوتا و كأن القيادات العسكرية لفصائل المعارضة السورية هي من تملك المبادرة السياسة فضلا عن العسكرية و هي وضعية شبيهة الى حد ما بالحالة الليبية حيث لا يملك فرقاء السياسة الا قدرا ضئيلا من التأثير على من يملك السلاح و الرجال بينما تأتي مبادرات الحلول السياسية من الخارج وفق توازنات تحفظ مصالح الخارج قبل الداخل
معركة حلب سيكون لها ما بعدها و ستؤثر نتائجها في مسار الثورة تأثيرا كبيرا و ربما تفتح الباب أم تسوية سياسية شاملة تنتهي برحيل الأسد و حسب تسريبات إعلامية فإن الأتراك يعملون بشكل جدي على تسوية من هذا القبيل أما مستقبل الوجود الروسي فمن الممكن أن يتحدد بتسوية على هذه الشاكلة و من الممكن أيضا أن تحدده عوامل مختلفة أهمها فعالية الأسلحة الروسية على الميدان و قدرة الاقتصاد الروسي على تحمل نفقات هذا الدور العسكري المتقدّم و كذلك عدد التوابيت المتجهة نحو موسكو و التي بدأت بالفعل تشق طريقها الى هناك...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.