المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خليل غريب Headshot

علم الطاقة: عندما تلبسُ الخرافةُ ثوبَ العلمِ

تم النشر: تم التحديث:

انتشر العلاج بالطاقة في الآونة الأخيرة بشكل واسع، وساهم في انتشاره التناول الإعلامي المكثف، من خلال برامج اللايف ستايل والبرامج الحوارية وغيرها، وقد استهوى هذا الموضوع كثيرا من الشباب؛ الذين يلتحقون بالدورات التدريبية التي ينظمها المتخصصون في هذا الفن، بينما يتوجه البعض منهم إلى مؤسسات خاصة للحصول على دبلومات تكون لهم تُكأة في ممارسة هذا الفن كمهنة.

كما غزت الكتيبات التي تتحدث عن موضوع الطاقة سوق الكتاب؛ البعض منها لكتاب معروفين والبعض الآخر لكتاب مغمورين، كتيبات تتناول نفس الموضوع لكن معلومات وتصورات أصحابها متضاربة ومتناقضة لتعدد واختلاف مصادر المعلومات؛ إذ تجد تعريفات متنوعة ومختلفة للطاقة ولعلم الطاقة في هذه الكتيبات الخالية من التوثيق والإشارة إلى المصادر، كتيبات الهدف من ورائها مادي محض فيما يبدو.

فما هي هذه الطاقة يا ترى؟ هل المقصود أي من الطاقات التي نعرفها، كالطاقة الحرارية، والكهربائية، والهوائية، والكهرومغناطيسية، والميكانيكية؟ أم أنها شيء آخر؟

الطاقة التي يتحدث عنها المعالجون والمدربون، مختلفة تماما، إنها مفهوم ينتمي إلى المجال الروحاني وتسمى تارة الطاقة الحيوية وتارة أخرى الطاقة الكونية وهي أسماء مستحدثة لها، وقد آثرت على كتابة تعريف شامل لهذه الطاقة، أن أسوق كلاما لمشتغلين بهذا المجال في تعريفها، والتعليق عليه كطريقة لتبيّن حقيقتها.

تقول إحدى المتخصصات في هذا الفن: " كيف يتلقى الانسان طاقته من العالم الخارجي؟ نحن نعرف أن جسم الانسان المادِّي يحتوي على عدد من الأعضاء الحيوية كالقلب والرئتين والكبد وكل منها يقوم بوظيفته بدقة متناهية، كذلك الجسم الطاقي للإنسان فهو يحتوي على عدة مراكز تدور فيها الطاقة هذه المراكز تسمى بالشاكرات، هذه الشاكرات مسؤولة عن توزيع الطاقة إلى الأعضاء الحيوية للقيام بوظائفها بشكل صحيح أي أنه عندما تتأثر مراكز الطاقة هذه ويحدث اضطراب في توزيع الطاقة تضطرب بدورها الطاقة الموزعة إلى الأعضاء المادية وبالتالي يصاب جسد الإنسان بالأعراض المختلفة أو بالمرض.

كيف نحافظ على طاقة شاكراتنا أو مراكز الطاقة؟ للإجابة عن هذا السؤال لابد قبل ذلك أن نعرف بأن الكون كله مكون من طاقة كل شيء نراه في الكون هو عبارة عن طاقة، الطاولة القلم الورقة، وهذا ينطبق على أجسامنا فجسمنا مكون من جزيئات والجزيئات مكونة من ذرات، وهذه الذرات تحت الفحص الدقيق مكونة من إلكترونات تدور في مجالات طاقية متعددة حول النواة التي تحتوي على النيوترونات والبروتونات هذه حقيقة علمية وهي أساس علم الفيزياء وقد تم إثباتها منذ مئات السنين، فالكون هو عبارة عن طاقة هائلة متصلة مع بعضها البعض".

تعليق: الظاهر أن هذا التعريف ذو صبغة علمية، ولو أن أحدا سمعه للوهلة الأولى ربما أخذه على أنه حقيقة لا تشوبها شائبة، فقد يظن أن الأمر يتعلق بالعلم، خاصة إذا كان يعاني من ضغوط نفسية أو مشاكل صحية، فإنه قد يطرق أبواب المعالجين بالطاقة آملا أن يتخلص من آلامه، ولكنه سيكون قد طرق الباب الخاطئ للأسف.

إن ما أضفى الطابع العلمي على الكلام أعلاه استخدام المتحدثة لمفردات علمية كالذرة والبروتون والنيوترون، مما قد يوهم القارئ بأن المتكلم يتحدث عن علم من العلوم وأنه ملم بالفيزياء، والحقيقة أن اللجوء إلى تلك المصطلحات العلمية إنما هو بهدف إلباس هذا الفن "العلاج بالطاقة" لبوس العلم، مثلما يعمل بعض المدربين على أسلمة ما يقومون به لاستقطاب الناس، إن هذا الفن بعيد كل البعد عن العلم، والكلام أعلاه إنما يتصل بفنون ومعتقدات آسيوية قديمة تنتمي إليها المصطلحات التي استعملتها المتكلمة: الجسم الطاقي أو الجسم الأثيري، ومراكز أو عجلات الطاقة: الشاكرات Chakras باللغة السنسكريتية.
فما هي الشاكرات؟ وما هو الجسم الطاقي؟ وهل لهذه المفاهيم أدنى علاقة بعلم الفيزياء أو العلم بصفة عامة؟

الجسم الطاقي Etheric body عبارة عن جسم متخيل يُزعم أنه يوازي جسم الإنسان المادي، به مراكز للطاقة الحيوية المفترضة تسمى الشاكرات، ومسارات لهذه الطاقة تسمى الميريديانات Meridians، يتكون هذا الجسم من سبع طبقات كل طبقة ترتبط بشاكرا معينة، الشاكرات مفهوم مأخوذ من النصوص الهندوسية، وهي عبارة عن مراكز دائرية اعتقد أتباع الأديان الشرقية قديما أنها تتموضع عموديا على الجسم من الرأس إلى أسفل العمود الفقري، وأنها معدة لاستقبال الطاقة من العالم الخارجي، وعددها سبعة لكل واحدة لون خاص:

1- مولادارا.
2- سفادستانا.
3- مانيبورا.
4- اناهاتا.
5- فيشودا.
6- اجنا.
7- ساهاسرارا.
وكل هذه الأسماء التي تم تعريبها هي باللغة السنسكريتية؛ وهي لغة طقوسية للهندوسية والبوذية والجاينية.

السؤال الآن هو: ما علاقة مثل هذه التصورات القديمة، بالذرة والإلكترون والبروتون؟ اللهم إلا إذا كان هذا المزج بين مفاهيم ومصطلحات علم الفيزياء والمعتقدات القديمة بهدف التدليس على الناس وتسويق العلاج بالطاقة، فالطاقة التي تحدث عنها أينشتاين شيء والطاقة التي ذكرت في النصوص الهندوسية والبوذية القديمة شيء آخر، أينشتاين يقصد الطاقة الفيزيائية، وقدماء الهندوس قصدوا البرانا Prana أو طاقة الحياة، وتأخذ عند الصينيين اسم تشي Chi وعند اليابانيين اسم كي Ki، ومنها الريكي وهو العلاج بالطاقة.

أينشتاين لم يتكلم عن طاقة تغذي أعضاء الجسم لتقوم هذه الأخيرة بوظائفها على أكمل وجه، ولم يتكلم عن طاقة لها علاقة بالضعف والقوة، بالصحة والمرض، بالنشاط والكسل، بالترح والفرح... بينما يتحدث هؤلاء المعالجون كما في النص السابق عن طاقة ينتج عن اختلال سريانها في جسم الإنسان اعتلال صحي. أما الطاقة الفيزيائية فلا علاقة لها لا بالصحة ولا بالمرض ولا بالثنائيات التي سبق ذكرها.
ومما يؤكد أيضا أن هؤلاء المعالجين قد اتخذوا من الحقائق الفيزيائية مطية لترويج بضاعتهم، حديثهم عن الشاكرات وربطها بالطاقة التي أثبت العلم أنها تشكل الكون؛ الشاكرا مفهوم لا يمت للعلم بصلة، وليس هناك في الفسيولوجيا ولا السيكولوجيا شيء يسمى الشاكرات وإن وجد في بعض المراجع فضمن النبذة التاريخية التي تعرض مراحل تطور الطب على مر العصور، وجود هذه المراكز لا يعدو كونه معتقدا ينتمي الى عصور مضت حيث سادت المعتقدات الخرافية التي لا تقوم على الدليل والبرهان.

ما ذكرته المتحدثة من أن مكونات الذرة تدور حول النواة في مجال طاقي كلام يحتاج إلى تدقيق؛ فالمعلوم أن القوة الكهرومغناطيسية هي المسؤولة عن ربط الالكترونات بنوى الذرات، وهذه المعلومة مما اعتاد أصحاب هذا الفن إلقائه على مسامع الناس - كتبرير منطقي- كلما سئلوا عن ماهية الطاقة التي يتحدثون عنها، لكن القوة الكهرومغناطيسية التي تربط بين مكونات الذرة لا دخل لها في الصحة والمرض ولا في الحالات النفسية هذه واحدة.
الثانية: لا يمكن لأحد أن يتحسس هذه القوة الكهرومغناطيسية.
ثالثا: دوران مكونات الذرة حول النواة لا ينتج عنه هالة أو أورا Aura. والآن نسأل هؤلاء على ماذا استندتم في القول بأن اختلال توزيع وسريان الطاقة الكهرومغناطيسية في الجسم يؤدي إلى خلل في وظائفه؟ يلزمهم القول هنا إن مستندهم هو الطب الشرقي القديم وما يبنى عليه من أفكار؛ إذ لا دليل ولا مرجع علمي يؤيد هذا الطرح، وإذا كان الأمر كذلك فما أدرانا أن الطاقة التي تحدث عنها الآسيويون القدماء هي الطاقة الكهرومغناطيسية؟ هل يصح تفسير الطاقة التي تكلموا عنها بالطاقة الكهرومغناطيسية كما يفعل بعض المدربين؟ لقد تحدث القدماء عن تكون المادة من وحدات منفصلة لكن ليس بالصورة التي أكدها العلم، بل حتى تصور فلاسفة اليونان القديمة عن الذرة تبين في العصر الحديث أنه كان تصورا خاطئا، وهم من صاغوا كلمة ذرة Atom، أما الجسيمات تحت الذرية فلم يتحدث عنها القدماء فضلا عن مجال طاقي تتحرك فيه هذه الجسميات، لقد صار واضحا أن البحث عن مرادف حديث لتشي تلفيق مكشوف.

وإذا كان الكون يتشكل من طاقة، وأن المادة ما هي إلا طاقة متجسدة، فماذا يعني تقسيم الطاقة إلى إيجابية وسلبية؟ علم الفيزياء لا يتحدث عن طاقة إيجابية وأخرى سلبية، فالطاقة الفيزيائية غير داخلة تحت هذا التقسيم الذي ينتمي إلى الطب الصيني، كما أن الطاقات التي يحدثنا عنها علم الفيزياء لا يمكن جلبها من الفضاء الخارجي عن طريق اليد، ونقلها باليد إلى العجلات الطاقية المزعومة كما يفعل المعالجون بالطاقة، ثم ما هي الميزة التي يتسم بها هذا المعالج الذي وحده يستطيع أن يتحسس الهالة الطاقية لكل إنسان بيديه، ويسد الثغرات الموجودة بها عن طريق استمداد الطاقة الايجابية من الفضاء وإيلاجها في الشاكرات؟ الشيء الذي لا يستطيعه إنسان آخر، هل يتمتع هذا الشخص بقدرات خارقة؟! وهل يكفي المشاركة في دورات تدريبية لمدة لا تتجاوز الشهر لاكتساب القدرة على تحسس الهالة الطاقية والقيام بتلك التقنيات العلاجية؟!

يقول أحد الاستشاريين في هذا المجال: "الطاقة الحيوية هو علاج كان يستخدمه الفراعنة عبر تعاليم هرمس الحكيم وكانوا يسمونها الكا ثم انتقلت إلى الصينيين وكانوا يسموها تشي، ثم سميت عند الهنود برانا، وأبقراط في كلامه عن الطب كان يقول أنها طاقة الحياة، الأبحاث الروسية سمتها العلاج بالبايو بلازما وهي الحالة الرابعة للمادة".

تعليق: لا شك أنك لمست الفرق بين هذا التعريف والتعريف السابق، فالأول عمدت المتخصصة إلى ترصيعه بالمفردات والمفاهيم الفيزيائية، في حين أن التعريف الثاني جاء على شكل نبذة تاريخية وهو تعريف تقليدي خال من التدليس وخلط المفاهيم كما ترى، أما عن مضمون هذا التعريف، فيظهر وكأن الاستشاري يريد الدفاع عن الفن الذي يمارسه، بإخبارنا أنه فن أصيل وله جذور تاريخية مورث من حضارات غابرة، والحقيقة أن هذه النبذة التاريخية ليست في صالح هذا المعالج، فحديث الفراعنة والهنود وأبقراط عن هذه الطاقة، لا يعني أنها حقيقة، بل إن من البديهي أن يتكلموا عن أمر خرافي كهذا بحكم تواجدهم في بيئات شكلت فيها الخرافة والأسطورة مصدرا للمعرفة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.