المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خليل بن علي بن عبد العزيز Headshot

لماذا ننتكس بعد الالتزام؟ "1"

تم النشر: تم التحديث:

مصاحفنا أضحت بيوتاً للعنكبوت، مساجدنا تأنّ وحشة وشوقاً إلينا، صلاة الفجر في جماعة طال عليها هجراننا، مسابحنا تراكم عليها الغبار فأمسى حالها كقطعة أثرية مرّت عليها الدهور، كتب ومتون الفقه والعقيدة والحديث ملّت من تلك الرفوف المنعزلة وتتساءل في ما بينها وهي قابعة هناك:
كم لبثنا يوماً أو بعض يوم؟!
فيجيب أحدها: كلا، بل لبثنا سنين.

صيام التطوع سهونا عنه، فعقولنا لم تعد منشغلة بأيامه المباركة المسنونة، بل انشغلت بدلاً عنه بأيام العطل لنمضي فيها أمسيات ومسامرات تخلو من ذكر الله وتعج باللغو والمجون.
أذكار الصباح والمساء نسيناها فنستنا.

طرق ومسالك ومجالس العلم والذكر تبكي أسفاً، وتصرخ ألماً لفراقنا ولو سمع صراخها الثقلان لأصابهم الصمم.

محاربنا ترجو عودتنا لنافلة يبنى بها بيت لنا في الجنة.

قيام الليل كبر علينا أربعاً وصلى علينا صلاة الجنازة وقنط من رجوعنا.

قست قلوبنا وبلي رداء إيماننا ونسينا الآخرة وركنا للدنيا ومتاعها الزائل، فترت عزائمنا وانطفأت شعلة التوبة بعد أن انقدحت في وجداننا فأنارت بصائرنا فبان الطريق ووضح الهدف والسبيل.

تبدل خجلنا من الله وعباده إلى وقاحة ومجاهرة بالمعصية، جفت ألسنتنا وفقدت رطوبتها المستمدة من الذكر.

تحول غض أبصارنا وطأطأت رؤوسنا إلى تمعن وتتبع والتفات إلى كل فتنة تعترينا في الطريق.

تحولت سعادتنا إلى ضنك، وعلمنا إلى جهل، وتوبتنا إلى معصية، والتزامنا إلى تفريط.

وأضحت حياتنا همّاً وغمّاً، فمن ذاق لذة الطاعة ثم انتكس عاش في الدنيا معذّباً فلا طمأنينة العابدين ولا غفلة الجاهلين، وهذا ﻣِﺼﺪاﻗﺎً ﻟﻘﻮﻟﻪ الله ﻋﺰ وﺟﻞ: "وَﻣَﻦْ أَﻋْﺮَضَ ﻋَﻦْ ذِﻛْﺮِي ﻓَﺈنّ ﻟَﻪُ ﻣَﻌِﻴﺸَﺔً ﺿَﻨﻜًﺎ".

فما الذي أوصلنا إلى هنا؟ وكيف غرقنا في هذا المستنقع؟ وما الذي أتلف التزامنا وأذهب خشوعنا وأفسد توبتنا؟

كيف فقدت بوصلتنا الحق وحادت عنه بعد أن عرفناه؟ كيف عُدنا للدنيا الدنيئة بعد أن طلّقناها؟

لا جرم أن حالنا أضحى هكذا لكثرة ذنوبنا ومعاصينا، وما تولده من وحشة في قلوبنا فتبعدنا عن الطاعة ودربها حتى تمسي العبادة أثقل علينا من حمل الصخور.

إن الذنوب تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه، أو توقفه وتقطعه عن السير، فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى الوراء! فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب، والقلب إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت القوة التي تسيره، فإن زالت بالكلية انقطع عن الله انقطاعاً يبعد تداركه.

ومن أسباب انتكاسنا بعد الالتزام أيضاً بخلاف الشهوات والمعاصي، مرض الشبهات التي تعتري عقولنا، ومن أبرزها أن العديد منا وضع أهدافاً يطمح لتحقيقها؛ ليعيد بها أمجاد الأمة، ويكون بها لبنة طيبة في صرح الإسلام فينصر المظلوم، ويحرر المأسور، ويحكم شرع الله في كل الربوع.

لكن ما أن يجد الدرب مسدوداً أو مليئاً بالعوائق أو يضيع خارطة الطريق حتى يعود باللوم على نفسه ويحتقر طاعته، فيقول في نفسه: "هل صلاتي وصيامي والتزامي سيعيد الأقصى؟ وهل سينشر سلطان الخلافة ويعلو به حكم الله في الأرض؟"، فيصيبه الوهن والفتور ويتسلط عليه الشيطان فيقنط وييأس ويمل فيتهاون شيئاً فشيئاً في عبادته ويغرق في معترك التنازل وانتهاك حرمات الله، هنا يعلق في اﻟﻤﻨﺘﺼﻒ! ﻓﻼ هو أنقذ اﻷﻣﺔ، وﻻ بقي ﻋﻠﻰ ﺣﺎل التوبة والورع والطمأنينة اﻟﺘﻲ ذاقها أول اﻟﺘﺰامه، وما ﻛﺎن ﻳﻌﻨﻲ اﻟﻜﺜﻴﺮ له ﺑﺎﻷﻣﺲ ﻣﺎ ﻋﺎد ﻳﻌﻨﻲ له ﺷﻴﺌﺎً؛ ﻷﻧﻪ ﻻ ﻳﺆدي إﻟﻰ هدفه العظيم ‏(إﻧﻘﺎذ اﻷﻣﺔ‏).

ثم رويداً رويداً يستسلم للشيطان، ويشعر أنه مزور وينتكس وتتلف توبته، ويضمحل نور الإيمان في قلبه، ويبيع قضيته، وينصهر في المجتمع، ويعود إلى ما كان عليه، فيألف الجاهلية مرة أخرى، ويرجع لركض وراء الدنيا الفانية ومتاعها الزائل من زوجة وبيت وعمل...

ﻛﺎن ﻫﺬا وصفاً ﻟﻤﺎ ﻳﺤﺪث ﻣﻊ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻨﺎ وبوحاً بحال رديء صرنا إليه، وكان أيضاً تشخيصاً للعلة والداء، والتشخيص ﻧﺼﻒ اﻟﻌﻼج.
نكمل اﻟﻨﺼﻒ اﻵﺧﺮ ﻓﻲ المقال القادم بإذن الله.. (يُتبع).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.