المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خليل أبو رزق Headshot

فساد الأنظمة التعليمية في البلاد العربية

تم النشر: تم التحديث:

إن كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.
إننا أمة متخلفة بجميع المقاييس وإن فجوة التخلف تزداد سنة بعد سنة. انظر إلى تقارير الأمم المتحدة وكل المنظمات الرصينة عن ترتيب الدول في جميع المجالات من مؤشرات التنمية البشرية إلى جودة الأنظمة التعليمية إلى الشفافية والنزاهة إلى السعادة إلخ.. وبدون تقارير. انظر إلى كثير من دول آسيا وأمريكا اللاتينية التي كانت خلفنا وسبقتنا بمراحل من اليابان إلى كوريا إلى البرازيل إلى...

الأسباب الرئيسة للتخلف في الدول العربية عامة هي غياب الحريات وفساد النظام التعليمي وامتهان المرأة وهي أسباب متداخلة يغذي بعضها بعضًا.
وسأحاول هنا في سلسة ملاحظات قصيرة أن أوضح ماذا أعني بفساد الأنظمة التعليمية.

أما الذي أثارني للكتابة اليوم فهو مهرجان امتحان الثانوية العامة (أو التوجيهي أو البكالوريا). ولا أرغب هنا في الحط أو الرفع من التوجيهي فقد صار أحد ثوابت العائلة العربية وما هو إلا أداة. إنما أريد أن أبين الأهم وهو ماهية النظام التعليمي ومستواه. والذي يتم التغافل عنه باستعراضات كرنفالية.

مشكلة النظام التعليمي في البلاد العربية أعمق بكثير من امتحان الشهادة الثانوية العامة، بل إن هذا الامتحان بشكله التقليدي هو أحد أوجه تخلف أنظمتنا التعليمية. وأهم مؤشر على فساد النظام التعليمي النواتج أو مخرجات النظام. وحالنا البائس مقارنة مع غيرنا والفجوة المتزايدة ليس مع العالم الغربي بل مع الدول النامية أيضًا.

النظام التعليمي العام والعالي وتوأمه البحث والدراسات هو الذي يشكل مستقبل الأمة. فهو مصنع الأجيال وهو مصنع التقدم أو التخلف. وعلى الرغم من ضعف هذا النظام القديم فإنه في تراجع في معظم البلاد. فإذا كانت الأنظمة القديمة قد أنتجت ما نحن عليه من التخلف فما بالك بأنظمة اليوم.

فساد الأنظمة التعليمية العربية هو فساد يكاد يكون متعمدًا لا سيما عند التركيز على بعض القشور دون الجوهر، كما في حالة مهرجان امتحان الثانوية العامة. وعندما تكون ميزانيات الجيوش وأجهزة الأمن أكبر من ميزانية التعليم. وعندما تكون وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والإعلام أهم من وزارات التربية والتعليم العالي. وعندما يتم تعيين رؤساء الجامعات من خارجها ووو. ناهيك بالتدخل السياسي والأمني في المحتوى والفلسفة والهدف.
صحيح أننا تقدمنا خلال الخمسين سنة الماضية ولكن الفجوة مع العالم المتقدم قد زادت وترتيبنا ما بين الدول قد تراجع بتقدم أمم كثيرة كانت خلفنا.
النظام التعليمي نفسه يقاس بمؤشرات عديدة وهناك تقارير اليونيسكو وصندوق الأمم المتحدة للتنمية وتقارير منظمات عالمية معتبرة وكلها تعطينا نتائج غير مرضية.
ويكفي ما نلمسه من قدرات طلابنا في المهارات الأساسية في الصفوف المختلفة. ومن عدد الكتب التي يقرؤونها خارج المنهج. ومن تطبيقات الحواسيب التي يستعملونها. ومن قدر النشاطات الرياضية والفنية والاجتماعية واليدوية التي يبدعون فيها أو يشاركون فيها.

كنا منذ أكثر من 50 عامًا قد غيرنا اسم وزارة المعارف إلى وزارة التربية والتعليم فكم من التربية يحصل علية الطالب وماهية هذه التربية. ما هي الاتجاهات والقيم المكتسبة؟ ما هي نظرة الطالب للعمل والإنتاج وقيم العدل والحرية والكرامة والصدق والشرف؟

وعلى مستوى التعليم العالي كم جامعة لدينا ضمن أفضل 500 جامعة في العالم أو حتى 1000 جامعة في العالم. هل تعلم أن كليات الحقوق في مصر تقبل أدني المعدلات؟ وأن كلية حقوق عين شمس تضم 50000 طالب فيما لا تتسع ل 1000 طالب وذات الشيء عن جامعة القاهرة، ولعل هذا يقرب للقارئ تعبير "القضاء الشامخ" بمصر.

كم عدد الجمعيات التي يشارك فيها كل طالب في الجامعة؟
كم عدد البحوث لكل طالب أو مجموعة طلاب لكل فصل أو لكل مادة؟
ما هي الممارسات الديموقراطية التي يزاولها الطالب؟
كم هم زوار المكتبات؟ وكم كتابًا ننتج في السنة؟ وكم كتابًا أو قل كم صفحة يقرأها الفرد لدينا في السنة بعد التخرج؟ وما هي العناوين التي يبحث عنها في الإنترنت؟ وما هي التطبيقات التي يستعملها؟
كم هي عدد براءات الاختراع المسجلة لكل ألف من السكان في السنة؟
ما هي نسبة الأمية في بلادنا؟ وما مقدار تحسنها خلال 50 سنة؟ وما موقعنا بالنسبة للأمم الأخرى؟ وبالطبع فإن هذه النسبة ناتجة عن التسرب أو قصور النظام التعليمي.

كل هذه النتائج ذات علاقة بالنظام التعليمي. فالنظام أي نظام ليس بالأعداد ولكن بالنتائج. صحيح أن جودة النظام التعليمي مرتبطة بالمخصصات ولكنها مرتبطة أكثر بالسياسات والأولويات وإرادة التغيير. فكم من الدول التي تخصص ميزانيات هائلة للتعليم بلا نتائج؟. وكم هي الدول متواضعة الإمكانيات التي استطاعت تحسين التعليم وتجاوز حالة التخلف؟.

إن عملية الإصلاح تبدأ بإدراك كمية التخلف التي نعيشها وأهمية التعليم في التقدم المنشود.
و للموضوع بقية لبيان الإساءات المتعمدة للنظام التعليمي. ثم الحلول المقترحة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع