المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خليل أبو رزق Headshot

فساد الأنظمة التعليمية في البلاد العربية (2)

تم النشر: تم التحديث:

بدأت مصر في الستينيات من القرن الماضي خطة طموحة للتصنيع فيما عرف بالألف مصنع أتبعت بالصناعات الثقيلة أو ما عرف بالمصانع التي تصنع المصانع، ولكن الذي غاب فعلا هو صناعة الإنسان الذي يصنع المصانع فعلًا، فانهار المشروع وزادت البلاد تخلفًا. وقد تكرر هذا في بلاد كثيرة. وفي المقابل شهدنا دولًا مثل اليابان وألمانيا تتهدم مع مصانعها كليًّا ولكن سرعان ما تبنى من جديد لأن الإنسان الذي يبني هو الأساس.

أشرت في المقال الأول بنفس العنوان إلى المقصود بفساد التعليم في بلادنا العربية وإلى أهمية الموضوع كون التعليم ومراكز البحوث والدراسات هي التي تقرر مستقبل الأمة ومكانتها بين الأمم. وسأحاول في هذا الجزء بيان بعض الإساءات المتعمدة للنظام التعليمي. ثم الحلول المقترحة.

بالطبع هناك جهود مخلصة على مختلف المستويات لتحسين التعليم ولكنها أشبه بمحرك صغير لآلة ضخمة. والأنكى من ذلك أن هناك جهودًا معوقة منها سياسية واجتماعية ومهنية. إلا إن أكبر المشاكل هي الإساءات الرسمية المتعمدة للنظام التعليمي. وأقول متعمدة لأنه ثبت ضررها ولا يماري فيها أحد، ومع هذا فإنها مستمرة. أي انها تتم مع سبق الإصرار والترصد. ومنها مثلًا في التعليم العام:

- عدم إعطاء الارتقاء بالتعليم الأولوية في سياسة الدولة بسبب عدم استقرار النظام السياسي الناتج عن غياب الحريات وانفصال السلطة عن الشعب وضعف التعليم نفسه. أي إنها دائرة مغلقة.

- عدم إعطاء التعليم الأولوية في الميزانية العامة للدولة بل تقديم الجيش والأجهزة الأمنية والإعلام وكبار رجال الدولة وشركات الدولة الخاسرة. مثال: الخسارة الناتجة عن عدم كفاءة مصفاة البترول (800 مليون دينار) تفوق ميزانية التربية والتعليم في الأردن.

- الاهتمام بالقشور دون المشاكل الحقيقية مثل مهرجانات امتحان الثانوية العامة. و ترويج الأخبار الإيجابية الجزئية والمنقوصة عن حالة النظام التعليمي.

- قلة المراكز المتخصصة في بحوث التعليم وقلة الدراسات التي تبحث واقع التعليم ومستقبله وسبل تحسينه.

- ضعف أو انعدام المشاركة المجتمعية في وضع المناهج ومتابعتها.

- بناء مناهج التاريخ والدين واللغة على الرواية الضيقة ومن زاوية واحدة حدية أبيض أو أسود.

- البطء في تحديث المناهج و خاصة العلمية منها.

- التخلف في استعمال الإنترنت ووسائل التعلم والبحث الإلكترونية.

- إلزام الطالب والمعلم التقيد بالمنهج المكتوب والاقتصار عليه وجعل نظام العلامات مرتبط بذلك.

- ضعف التجهيزات المدرسية العلمية والرياضية والفنية.

- ضعف تأهيل المعلمين وأسس الانتقاء والمكافأة والترفيع. هل سمعنا يومًا عن مكافأة المعلمين الذين يحقق طلابهم نتائج جيدة في الامتحانات العامة مثلًا. أو محاسبة المدراء والمعلمين عن فشل طلابهم؟

و يزيد على ذلك في التعليم العالي:

- التدخل في تعيين رؤساء الجامعات لاعتبارات سياسية وأمنية وقبلية وجهوية.

- التدخل في سياسات القبول في الجامعات والبعثات في الداخل والخارج. يكفي الإشارة إلى أن 75% من المقاعد الجامعية في الأردن مثلًا محجوزة ل 25% من الطلاب.

- سياسات ترويج ورعاية العشائرية والعصبيات الجهوية في الجامعات.

- ضعف دعم الجامعات بل والتخلف عن تسديد رسوم الطلاب المبتعثين من الجهات الحكومية ذاتها.

- التدخل السياسي والأمني في تعيين وترفيع المدرسين عن طريق تعيين رؤساء الجامعات أنفسهم بقرارات سياسية.

- التضييق على الأساتذة من ناحية الحرية الأكاديمية خاصة.

- أساليب الإدارة وظروف العمل والرواتب بحيث صارت الجامعات طاردة للكفاءات أو غير قادرة على جذبها أصلًا.

- تسجيل الجامعات الخاصة واعتبارها شركات تجارية هادفة للربح.

- التدخل في انتخابات الطلبة. بحيث يعزف معظم الطلبة عن المشاركة فيها.

- تضخم أعداد الطلبة المقبولين في الجامعات العامة بقرارات سياسية بدون زيادة الموارد.

- ضعف الارتباط ما بين الجامعة ومراكزها البحثية والسوق.

الإنقاذ

النظام التعليمي في كل الدول العربية ما بين كارثي كما في مصر وضعيف كما في الأردن، والدليل على ذلك ترتيبنا بين الأمم وتقدم الأمم التي كانت خلفنا.

وكما بينا أن معظم أسباب تخلف النظام التعليمي معروفة وعلاجها معروف، إلا إن العلة الرئيسة هي في إدراك عمق وأهمية المشكلة وأهم المعوقات والمعوقين ثم إعطائها الأولوية.

بالطبع فإن الموارد المادية هامة جدًّا إلا إن إدراك أهمية التعليم في تشكيل الأجيال المقبلة وأولوية ذلك يسبق الموارد المالية. والدليل على هذا تصدر دول كانت فقيرة على دول غنية. تمامًا مثل ما نرى من نجاح عائلات فقيرة أعطت الأولوية لتعليم أبنائها نسبة لعائلات غنية لم تعط التعليم أولوية.

إصلاح التعليم عملية مستمرة يجب أن تكون مشروعًا قوميًّا تتكاتف فيها جهود المجتمع والدولة وهدفه تهيئة الأسباب لتكوين جيل كفء علميًّا وسلوكيًّا وقيميًّا. جيل مُنتمٍ منتج مبتكر قادر على البحث والاستقصاء والتفكير الحر المتوازن. يقدر الصدق والأمانة والجودة والحرية والكرامة والعدل والشرف ومكانة المرأة. ويجب ألا يترك فيها القرار أو التقدير لأي سلطة غير الشعب مباشرة..

وينبغي لمشروع إصلاح التعليم أن يشمل كل العناصر وهي المناهج والقيم المستهدفة ثم الإدارة والمعلم والطالب والمدرسة والبيئة المؤثرة والآباء والأمهات.

وكما بينّا أن كثير من أسباب تخلف التعليم هو المعوقات من سياسات وأفراد. ولأن المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين، فيجب الانتباه إلى أبعاد المعوقات والمعوقين عن العملية لأن معظم الأسباب والحلول معروفة. ولا بأس من استقدام خبراء وخاصة من الدول الأولى في العالم مثل اليابان وكوريا وهونج كونج وفنلندا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.