المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد إبراهيم Headshot

حالة غربة

تم النشر: تم التحديث:

في مصر، كان النفي عن الوطن قديمًا عقوبة، كما حدث مع سعد زغلول باشا، والملك فاروق بعد أن أطاحت به حركة الضباط الأحرار في يوليو 1952، أما حاليًّا عندما ضاقت الحال بفئة كبيرة من المصريين أصبح لدی المصريين ثقة بمقولة البعض منهم "لا طريق تسلكه أفضل من طريق المطار" أو كما يقال في السفر ٧ فوائد.

ولا تزال صورة قديمة عالقة في أذهان الكثيرين، عن السفر وبالطبع هي صورة سلبية نتيجة السفر والبعد عن مكان النشأة والولادة والأهل والأقارب، والأصدقاء، تلك الصورة التي ترسخ لدی المسافر أحاسيس الوحدة والانعزال التي كان يلخصها في شريط "الكاسيت" أو خطاب ورقي مطول يصل بعد أسبوع أو يزيد، يروي فيه مسيرة أيام أو شهور قضاها في الغربة مع الأصدقاء الجدد أو الزملاء في العمل، لإرسالها للأهل أو الأصدقاء في الوطن، أما الآن فقد تبدلت الصورة بطبيعة الحال بعد ما أصبح العالم كما يقول المصريون "أوضتين وصالة"، ورسالة الشهور ترسل في ثوان، مابين الـ"فيس بوك " إلى الـ"واتس آب" وصولًا بإلى "سكايب"، حتى إن البعض صار يتمم خطوبته على وسائل التواصل الاجتماعي بالبث المباشر مثل "سكايب"، كيف كانت حياة الغربة قديمًا وأصبحت الآن هكذا، وبحكم أنني واحد ممن نشأوا خارج وطنه لا أجد ما يجعلني أندم علی هذا البعد هذه الفترة من عمري عن الوطن، ففي تجربتي قد استفدت أكثر مما كنت أتوقع.

أتذكر مشهدًا تكررت رؤيته عليّ، وصار أسلوب حياة كثير من المغتربين، حين شهدتهم يوفرون الريالات من أجل المستقبل المجهول، يعيشون على أمل العودة إلى الوطن، تحمسهم تلك المشاعر التي سرعان ما تحفزها تلك الأغاني الوطنية، بل وصل الحد إلى أن البعض منهم يوفر بهجته التي يتجاهل وجودها حوله، ضمن مسلسل التأجيل والتسويف في نفقه المظلم الذي لا يعلم نهايته، منهم من قضوا نحبهم قبل أن يكملوا أحلامهم، دون استفادة من سنوات الادخار التي قضوها مغتربين.

غالبًا ما يلاحظ للمصريين المغتربين الحياة في بلادهم في الشوق لعربية الفول والشاي على القهوة مع صوت أم كلثوم في الراديو، والمحاشي بأنواعها من يد الزوجة أو الوالدة.. أحاديث الشارع.. لقاءات الأصدقاء والمعارف.. جلسات الشواطيء الصيفية.. زيارات الآثار.. والمتاحف والجامع الأزهر والحسين والسيدة والشافعي، وغيرها مما يميز حياة المواطن المصري، وبالتأكيد إن لكل وطن ما يشد أبناءه إليه. وفي عرف أهل كل وطن غنی من ثقافة وفن وحضارة..

أستطيع القول إن الغربة ليست وداع الوطن أو فراقه، لأن الفرد قد يكون غريبًا في وطنه، عندما لا يبتسم الوطن لأبنائه أو يحتضنهم، وما أكثر الأمثلة على ذلك في زمننا الحالي، عندما تفتح أبواب بلاد الغربة في الوقت الذي تصفد أبواب أوطان على مواطنيها.

يقول أحمد مطر :
" من بعدنا يبقى التراب والعفن
نحن الوطن!
من بعدنا تبقى الدواب والدمن
نحن الوطن!
إن لم يكن بنا كريمًا آمنًا
ولم يكن محترمًا
ولم يكن حُرًّا
فلا عشنا.. ولا عاش الوطن!".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.