المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد حضري Headshot

أيها اليسار الفيدراليّ العظيم!

تم النشر: تم التحديث:

"... فالعمال لا وطن لهم، فلا يمكن أن يسلب منهم ما لا يملكونه، وبما أنه ينبغي على البروليتاريا أن تستولي أولاً على السلطة السياسية، وأن تنصب نفسها طبقة قومية، وأن تتقوم كأمة، فإنها لا تزال وطنية، لكن ليس قطعاً بالمعنى البرجوازي للكلمة، فمع نمو البرجوازية، مع حرية التجارة، مع السوق العالمية، مع التماثل في الإنتاج الصناعي والأوضاع الحياتية الملائمة لذلك، تزول الفواصل القومية والتناقضات بين الشعوب أكثر فأكثر، وسيطرة البروليتاريا ستُزيلها أكثر فأكثر. وعمل البروليتاريا الموحد، في البلدان المتحضرة على الأقل، هو أحد الشروط الأولية لتحررها...".

لم يكن في خلد الكبيرين إنجلز وماركس وهما يخطان بيانهما التاريخي المشكل من أربعة فصول مرجعية من محبرة ألم العمال أن أوضاع الفكرة اليسارية ستؤول للواقع المأساوي، واقع يشهد عليه حائط برلين المنهار، وبؤس العساكر التي تبنت عبر التاريخ هذا الفكر تقرباً من عواطف الشعب؛ لتنتج لنا أقبح زواج بين الفكرة والواقع.

ماذا حدث لليسار العظيم؟ أي منقلب انقلب أصحاب المطرقة والمنجل في حصد الجشع الأعمى للثورة الرأسمالية؟ ماذا لو بعث العظيم سان سيمون ورأى خطابات لشكر ومنيب؟ ماذا لو زار ماركس قصور المدافعين عن العمال والعدالة الاجتماعية ورأى أبهة الإقطاعيين؟ حتما كان روبير سبيير سيعدم كل ذي شارب يساري في الساحات العمومية تماماً كما كان يفعل مع معارضيه.

مع قيام الثورة الفرنسية سنة 1789م بدأت الأيديولوجيات تتبلور في شكل سياسي أكثر تنظيماً من فوضوية الكلاسيكيات التي بنتها إنجلترا في قالب فكري، فكان كل تيار يدفع بنسق فكري دفاعاً عن أطروحته في حكم متخيل، آنذاك كان هناك تيار جنيني التكوين كان أعضاؤه يجتمعون في دير يعقوب في شمال فرنسا، كانوا يدعون لإقامة نظام جماهري مبني على العدالة والعدل وتقسيم الثروة وحفظ كرامة الإنسان، فآمن "الفرنسيس" بعدل المبدأ لكن سرعان ما تلاشت قيمه أمام أرض أمواج الممارسة بعد أن تحكم اليعاقبة ذوو الفكر اليساري في فرنسا، فحكموها بالحديد والنار، فيما عرف تاريخياً بـ"حكومة الإرهاب"، فكفر الناس بالحزب لكن بقيت الفكرة مثالية رنانة في أذهان كثير من العامة وقليل من النخبة، لكن فكرة الخلاص من جشع البورجوازية الجديدة تجدد إبان الثورة الصناعية الكبرى في القرن التاسع عشر، حين انتقلت الفكرة من حضن العامة وأحلامهم إلى النخبة والفلاسفة وتنظيرهم، بل وآمن بها بعض من البورجوازيين الوطنيين، مثل سان سيمون الذي يحكي أنه أحرق قصره تعبيراً عن قطيعة مع استغلاله للعمال في ألمانيا فأسس أول مدرسة للمشاع التي سيتخرج فيها أكثر الفلاسفة الشيوعيين بعد أن ينقل مقرها إلى إنجلترا، بل وسجل التاريخ أن صاحب مصنع مانشيستر للنسيج الدوق فوربيه قد ترك ثروته للعمال، وانضم إلى مجالس اليسار في العاصمة لندن، كانت الفكرة مثالية حد أنها أقنعت الكثير بالتخلي عن ثرواتهم، فليت قومي من أهل اليسار يعقلون أن اليساري الحق شخص مخلص للفكرة لا للسلطة.

قبل حلول ثورات 1848م بدأت الفكرة اليسارية تأخذ أبعاداً جماهيرية، فتبلورت في شكل انقلابات شعبية على سياسات الليبرالية التي تنادي بالحرية في كل شيء، وتحقيق الربح بأي وسيلة وإذكاء الغنى للأغنياء على أكتاف العمال والكادحين إلى الخبز كدحاً، وأصبحت الفكرة عالمية براقة لكل مظلوم، لم يكن فيها عيب يذكر "حسب قول ستالين"، وكان الضغط رهيباً على رأس المال الذي كان يتخبط في عصور التوسع الجغرافي، والذي ساهم في وصول أطروحة اليسار إلى المستضعفين في المستعمرات.

آنذاك قرر ثلاثة منفيين في صحراء سيبيريا تأسيس حزب يساري عمالي في أرض القيصر، حزب قاده لينين لأعظم ثورة عمالية اطاحت بتخوم الاستبداد، ثورة أمن بها ترورتسكي فقال إن بلاد الثلج ستنير العالم، انتقلت العدوى لباقي أوروبا، خرج الإيطاليون في ساحات روما وأشعل النمساويون الحرائق في المؤسسات طلباً لنظام البلاشفة، كان العالم أكثر وضوحاً، أكثر جمالاً، بل أكثر كرامة.
جرت مياه كثيرة تحت جسر اليسار، وانهار جدار برلين، وسقط وارسو، ونصبت خيمة العزاء على فكرة الكرامة في أصلها، ماتت لأن أهلها كفروا بمبادئها وأساءوا استعمال المنجل والمطرقة، لقد سقط اليسار يوم تحالفت الفكرة مع العسكر في أتفه عرس حضره الناس، عسكر يحملون راية العدالة الاجتماعية!

اليوم في المغرب أصبح اليسار في الحضيض، وأصبح يتسول العتبات الانتخابية، ويرتدي الساعات الغالية في أيدي ذوي الشارب النضالي، أصبحت القيادات اليسارية مفوهة في التفاهة، مناضلة في حقل السلطة، وأصبحت خللاً في التاريخ، وبؤساً في تيارات الفكر السياسي.

لقد تعرض اليسار المغربي لثلاثة مطبات، وقفت عليها شخصياً أثناء انتمائي إلى اليسار (سابقاً)، مأزق المشروع؛ لأن اليسار المغربي بني في أساسه على مناهضة النظام السياسي بشكل ثوري دون طرح بديل قوي وموضوعي، ومن جهة اجتهدت التيارات الليبرالية والدينية في وضع تصور معقول لبنية النظام، فالبنية الاشتراكية على المستوى الاقتصادي أصبحت متجاوزة واقعياً، لكن أدبيات أحفاد سان سيمون ما زلت تخطها في أوراقها، المأزق الثاني هو القيادات التي كانت في معظمها عقيمة البديل، ومحاطة بهوس السلطة، خصوصاً بعد الانقلاب المشؤوم الأخير، قيادات لم تستطع رفع السقف السياسي طيلة مسيرتها النضالية أمام القصر، قيادات ظلت مدة من الزمن متنازعة المذهب حتى إن أكبر عدد من الانشقاقات الحزبية ظهرت في صفوف الاشتراكيين.

اليسار تعرض لأزمة تدافع على مستويات رئيسية تشكل ركيزة أساسية في عملية التقابل السياسي والتناظر الفكري، أولها أزمة خطاب، نظراً لعجز المنهج اليساري تاريخياً عن إنجاز مشروع متكامل قابل للتطبيق يمكن استجلابه في التدافع، ثم أزمة هوية، فاليسار المغربي لم يحسن تنزيل المنظومة الماركسية في بيئة أساسها ديني، فلم يحسن المصالحة مع الدين، فأصيب بالتيه في صحراء الأيديولوجيا السياسية، التي زادت حدتها بعد دخوله للحكومة، والتي يشهد أنه لم يحسن تدبيرها.

حين كنت في العشرين من عمري ذهبت مع أحد الأساتذة الذين أطروني في فترة اليسار لمحاضرة للمقتدر مؤرخ المملكة عبد الهادي التازي، آنذاك كنت فتى متحمساً للفكرة حالماً بنظام يساري ستاليني، فخاطبنا السي التازي -رحمه الله- قائلاً: "اليسار والإسلام وجهان لعملة واحدة، فقط علينا حسن صرف العملة"، قمت من المحاضرة غاضباً لهذا الكلام، وكنت محتاجاً لتسع سنوات لأفهم معنى الكلام، رحمة الله على التازي وتروتسكي، أذهب الله يسارية لشكر ومنيب، رحمك الله أيها اليسار العظيم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.