المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 خالد التاج Headshot

غيوم العاصفة في سماء الشرق الأوسط

تم النشر: تم التحديث:

في خضم التوترات المتصاعدة والحرب الكلامية المحتدمة على مستوى منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي المثخنة أصلاً بالجراح والصراعات، وفي ظل أجواء يسودها الاحتقان الشديد وتضارب للمصالح والأيديولوجيات بين قطبين إقليميين كبيرين؛ أي إيران والمملكة العربية السعودية، فإن المنطقة قد تكون مقبلة في نظر كثير من المتتبعين على منعطف جديد.

فالمنطقة ومنذ تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد بدلاً عن ابن عمه الأمير نايف بن عبد العزيز، قد باتت على الأرجح مقبلة على تطورات خطيرة من شأنها أن تعيد إلى الأذهان سيناريو حرب الخليج، أو ربما أخطر من ذلك بكثير هذه المرة، بفعل تطور السياقات الجيواستراتيجية ولا سيما انهيار نظام صدام حسين، الذي لطالما شكل عنصر توازن في مواجهة ما يسمى "الخطر الشيعي".

ولعل من إرهاصات هذه المتغيرات سلسلة التطورات التي يعرفها البيت الداخلي السعودي المتمثلة في الاعتقالات التي طالت أمراء سعوديين من العيار الثقيل، كالملياردير الأمير الوليد بن طلال، والأمير متعب بن عبد الله بن عبد العزيز وزير الحرس الوطني السابق، بحجة مكافحة الفساد، وسيطرة الأمير محمد بن سلمان على كافة مفاصل السلطة بالبلاد، وتقديم رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري لاستقالته من الرياض، في خطوة تحمل هي الأخرى بين ثناياها أكثر من رسالة إلى المشهد السياسي اللبناني الهش أصلاً، وكذلك بفعل احتدام الصراع السياسي والعسكري على مستوى العديد من الجبهات التي تشكل مجالاً للاستنزاف والصراع بالوكالة بين الخصمين اللدودين الإيراني والسعودي كالساحة اليمنية واللبنانية والسورية.

وفي ظل استهداف الحوثيين لمطار الرياض الدولي بصاروخ باليستي، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ تفجر الصراع اليمني، والتهديد باستهداف المزيد من الموانئ والمطارات السعودية، في رد على ما يبدو على حملة "عاصفة الحزم" التي تقودها المملكة العربية السعودية منذ سنة 2015 ضد الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.

ولعل ما يزيد من تعقيد المشهد هو احتمال انهيار منظمة دول مجلس التعاون الخليجي، على خلفية أزمة حصار قطر، والاحتقان العربي الكردي بالعراق، نتيجة النزعة الانفصالية لإقليم كردستان العراق، وهي نزعة ينظر إليها إقليمياً بكثير من التوجس، وعجز المجتمع الدولي عن إيجاد حلول للعديد من الصراعات، كالصراع السوري واليمني، وكذلك في ظل إعلان الرئيس الأميركي "ترامب" عن اصطفاف بلاده إلى جانب المملكة العربية السعودية في أي نزاع محتمل ضد إيران، وهو اصطفاف لم تُعرف حدوده بعد، والإعلان عن نيته تعليق الاتفاق النووي الإيراني، أو على الأقل العمل على إعادة تقييمه، بالتوازي مع تلويح إدارة بلاده باعتزامها تشديد العقوبات على إيران، على خلفية برنامجها الصاروخي، في خطوة لا تحظى هي الأخرى بأي إجماع داخل دول 5+1 الموقعة على الاتفاق، الذي وصف حينها بالتاريخي.

على الرغم من استبعاد الكثير من المحللين لإمكانية اندلاع مواجهة مباشرة، أو بالأحرى حرب شاملة بين الطرفين السعودي والإيراني في رقعة جغرافية شديدة الحساسية، إلا أن احتمالات نشأة اصطفافات إقليمية ودولية جديدة في أفق استنزاف قواهما ومواردهما عبر الانجرار إلى سلسلة حروب بالوكالة، ويتم من خلالها الزيادة في تسخين جبهات إقليمية، كالجبهة اليمنية أو اللبنانية تبقى واردة جداً، كما أن عضويتهما في منظمة "أوبك" قد لا تكون بمنأى عن معادلة الصراع المحتدم، وهو سيناريو ستكون القوى الكبرى وحدها المستفيدة من نتائجه.

هذا المشهد القاتم يُسائل من جديد دعاة السلام ورجالات السياسة و الحكماء من الطرفين عن الخطوات السياسية اللازمة، والسبل الكفيلة بتجنيب المنطقة ويلات انفجار وشيك للأوضاع يصعب بكل تأكيد التكهن بعواقبه على شعوب المنطقة ومقدراتها، وهي خطوات ستبقى مفتوحة في وجه الآلة الدبلوماسية للقطبين الإقليميين ولكافة دول المنطقة، وستظل دونما شك صعبة التبني، لكن ليست مستحيلة بالمطلق في عالم السياسة، كما أنها ستكون أقل تكلفة من أي عواصف جديدة قد تضرب المنطقة؛ إذ ينبغي أن لا تخلو من نظرة استراتيجية للطابع الكارثي لمآلات أي صراع تكون الورقة المذهبية أو الطائفية أحد مرتكزاته، وفي نفس الوقت الاستفادة من تجارب تاريخية مماثلة؛ حيث لم تثمر نتائج إيجابية تذكر اللهم المزيد من التفكك والضعف والمآسي الإنسانية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.