المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد دودو Headshot

وشوشات زوجيّة

تم النشر: تم التحديث:

في الذكرى الثانية لزواجي من صاحبتي علا، كثير يمكن أن يقال في هذا المقام ويكتب، هما عامان كاملان من الحوارات والنقاشات، الاختلافات والاتفاقات، الضّيق والسّعة، السعادة والحزن، حياة أشبه بمفاتيح -البيانو- رغم اختلافها وتنوعها وأضدادها إلا أنها مجتمعة تعطي تناغماً واتساقاً فريداً...
قبل الزواج وخلال تلك الفترة تبدّلت كثيرمن أفكاري وتغيّرت، كنت أخال نفسي ذلك العارف بأحوال الزواج وخفاياه، وكنت لا أتردد في ممارسة دور الخبير بأمور المرأة وخبايا العلاقات، لكن بعدما خَبرت الحال عن قرب وكما يقال (من ذاق عَرف) وجدت أن الأمر مختلف تماماً عمّا قرأناه في ثنايا الكتب أو سمعناه في المحاضرات والندوات، أو شاهدناه في الأفلام والمسلسلات، هو مخالف لكل التوقعات وأغرب من كل الأمنيات وأجمل من كل المصادفات وأصدق من كل المشاهدات...
اليوم أُبدي تعاطفاً مع ما يكتبه الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي عن الحب وعلاقتهم بالجنس الآخر، فيوماً ما كنت واحداً مثلهم، تُغريه الصفحات البيضاء ووهم جمع اللايكات ليكتب، أتذوق ما في الشعر والغزل والفن من جمال مختزل، وأسهر الليالي يجافيني النوم اذا ما ابتسمت إحداهنّ لي، أحياناً كثيرة تجدني ابتسم مما يكتب هؤلاء الشباب، فلا الذي يكتب هو عارف لم يكتب ولمن يكتب، ولا الذي يمسك ويعرض هو عارف لم يُعرض عن الخوض في هذا الموضوع...
في فترة معينة من الحياة كنت أبحث فيها عن صاحبتي، انقطع بي الأمل، وظننت أني سأبقى وحيداً منعزلاً في ذلك المكان البعيد من غربتي، لكني كنت على يقين بأنها في مكان ما تصنع على عين الله وفي رعايته، وعلى حين غَرّة ودون استئذان من أحد، وبترتيب إلهيّ غريب وجدتها، نظرة عُجلى وحوار بسيط، ثم دفقة قلب ولمعة عين وإشارة مجرّدة، فإذا بها وكأني أعرفها منذ زمن، وتمّ القران وحصل الوصْل...
عامان كاملان يا صاحبتي، أعترف فيهما أني منحاز للمكان الذي ولدتِ فيه، وللبيت العتيق الذي تقابلنا فيه أول مرة، منحاز لذلك البائع المحظوظ الذي اشترينا منه أثاث بيتنا، منحاز للغة الإسبانية وطريقتكِ في تمييز اللكنة المكسيكية من غيرها، منحاز للطعام الذي تطهين، منحاز للشكوك التي تثيرين، منحاز لذلك الكتاب الذي قرأناه سويّا، منحاز لخلافاتنا واختلافاتنا والتي جعلت العلاقة أكثرنجاحاً وسَوية، منحاز لإنسانيتك ورقيّك؛ أجمل ما توضع في قوائم النصوص وغيابات الصفحات...
في هذه الظروف الصعبة التي تمّر بها شعوبنا العربية، من تردّ في الوضع الأخلاقي والاجتماعي، وظهور لتيارات متطرفة على الساحة السياسية، وفي ظل التأخر العلمي والاقتصادي الملحوظ، تصبح فيه مسألة اختيار شريك الحياة أكثر حساسية ومسؤولية من ذي قبل، ذلك أن الأسرة هي اللبنة الأولى والمادة الخام والخطوة الأولى لتشكيل المجتمع وإعداده، ذلك أن في المجتمع مضغة إذا صلحت صلح المجتمع كله وإذا فسدت فسد المجتمع كله ألا وهي (الأسرة) ...
في الزواج يجب أن تتمتع بقدر عالٍ من التضحية والوفاء، وأن تتعلّم فقه التغافل وتطبّقه، فكثيراً ما يكون التغافل محموداً، وهو إنْ دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على سَعة عقل المتغافل وإدراكه وتفهمه لما حوله، أن تترك مساحات مناسبة من الحريّة يتحرك خلالها الطرف الآخر باستقلالية بعيداً عن شؤون العائلة والتزامات البيت، أن تكون مُجدداً متَجدداً في علاقتك بزوجك...

تزّوج من يكون لك سكناً وصحبة وحبيباً يذيب كل المساحات ويذلل لك العوائق ويحفّزك للارتقاء نحو القمم، تزوّج من تتوافق معه الروح وتأتلف، تزوج من يستحق أن يكون أباً أو أمّاً لأطفالك، تزوّج من لديه الثقة ليعتذرعن أخطائه، ومن لديه قدر كافٍ من الحكمة ليعفو عن الخطأ دون إذلال أو مهانة، تزوج من يُضفي إلى رصيدك شكلاً جديداً من الأسئلة والمخاوف والإشكاليات والتحديدات والثقافة...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.