المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد عابدين  Headshot

* عودة إلى المنطقة الأمنة *

تم النشر: تم التحديث:

طي يدي أوراق تخص مادة الأحياء, مُنشغل باقتراب موعد الخلاص من الثانوية العامة المقيتة, يُثقل كاهلي التحصل على إحدى كُليات الحقل الطبي بِراً بالعزيزين, موبخاً ذاتي التواقة ناحية الإعلام وموهماً إياها بتحقيق رغبتها مُستقبلاً, وسط انكفائي هذا قال لي " وقع بتونس ثورة, ورحل الرئيس بن علي, ويبدو أن القاهرة على الطريق ", استقبلت كلماته ببلاهة تامة, كما ولو أن أحدهم أخبرني بسحق نيو أورلينز سينتس لغريمه إنديانابوليس كولتس خلال سوبر بول دوري كرة القدم الأمريكية !

اعتقدت طويلاً أنّ تنفس السياسة يبدأ من تخطي إحدى قدميك لبوابة الجامعة, أمّا ما قبل ذلك فهو نوع من العبث الطفولي, كتابة أبي لحروف الألف والباء والتاء وهلمّ جرا داخل كراسة الأسطر الواسعة ومُطالبته إياي بتعلمها أثناء بلوغي الثالثة أو الرابعة من عمري لا يعني أنها أصبحت واجباً مُقدساً, كما أنني بعيد عن الخطر الناتج من فقدان الدرجات أي مُعاقبة المعلم, أنا ما زلت أمرح بحيز المنطقة الأمنة.

بين أركان المنطقة الآمنة, تصفحت ألبوم صور يحكي انتفاضة الأقصى عام 2000, شاهدت بالبث المباشر غزواً أمريكياً للعراق عام 2003, تألمت لاغتيال الشيخ أحمد ياسين عام 2004, سَمعت عن تأسيس حركة مُعارضة لنظام مُبارك تُسمى " كفاية ", لهوت وأصدقاء لي في ساحة المقار الانتخابية لبرلمان 2005, وما لم تخذلني الذاكرة, أعتقد حينها منحنا أحد مرشحي الحزب الوطني ملبس دعاية يحمل اسمه ورمزه, جملاً كان هو, سمعت المجلس سيد قراره مرات متفاوتة, شهدت ميلاد حركة السادس من أبريل وفى نفس العام قيل أن هناك أزمة مالية ضربت كوكبنا, وقفت للمرة الأولى أهتف مُندداً بالحرب على غزة 2008, وأبصرت عن قرب وقتها تلك الكائنات الرقيقة حاملة العصا والدرع, دنَوت من فجاجة انتخاب برلمان 2010, وتمنيت امتلاك بطاقة شخصية لتوقيع بيان الجمعية الوطنية للتغيير, استشطت غضباً لمقتل الخالد سعيد, دون الوابل وفوق الرذاذ هذا وقع ولم أغادر بعد منطقتي الآمنة.

كمثلي عدد ضخم يؤرق أهل الإحصاء, بعضهم أعطى عظيم اهتمام لما يدور حوله فعرّض نفسه للمُعاقبة مُبكراً, وبعضهم نصب سياجاً فوق الأسوار لتطويق منطقته الآمنة مفضلاُ القبوع بها آثراً السلامة, والبعض الآخر كشأني تلصص لسَرقة نظرات نحو الوضع وراء الأسوار, وجميعنا إلا قلة منّا توهم انقطاع زمجرة الأشباح عقب فِعل يناير, تبين حينها ضلالة أنَ تلك المساحات المُخيفة من أوطاننا يسهل ضمها إلى المنطقة الآمنة, بل هرولنا ناحية الأكثر بلاهة من ذلك, لم يعد هنالك مناطق حظر اطمئنان!

تحدثت للعديدين بعد رحيل مُبارك مستهجناً, كيف قَبِلنا العيش طوال تلك السنوات المُنصرمة على حالتنا الرثة تلك؟, كيف أعطينا الحق لهؤلاء امتهان كرامتنا واستحلال حريتنا؟, وقبل أن يردد أهل الـ 30 من يونيو القادمون من معسكر الثورة مقولتهم الشهيرة "الميدان موجود", رددتها إزاء تنحيه, لا مذلة بعد اليوم, فـ " الميدان موجود", اعذروا حماقتي, فلم ألتحق بميادين المُشاغبة الطلابية " الجامعة " لاُبصر عنفوان الدولة إلا بعد إشراق شمس الثورة الخادعة, وقعت يناير والتحقت بها سبتمبر.

ما أود قوله, لم نكن نعلم أنَ خلف مُبارك آلة عسكرية مهولة تستطيع دهس الانجاز خلال بضعة أيام, لم نتوقع انقلاب الكائنات الرقيقة صاحبة العصا والدرع إلى وحوش هائجة تُسقينا الرصاص سُقيا - ألا رحمة الله لجنود الأمن المركزي فى العهد المُباركي- , لم نكن نعلم خريطة المصالح الإقليمية والتوازنات الدُولية, كذلك أخوتنا فوق الأراضي السورية واليمنية والليبية وغيرها, ما خُيّل إليهم خلف حناجرهم المتواضعة ستنشب حروب وتُهجّر مُدن ويصير خيارك مخنوقاً بماهية قتلتك, رحب بالبراميل المُتفجرة فوق رأسك أو سِر للقاء قابض الأرواح المتربع فوق عرش المتوسط, هل أعلمكم أحد بشيء يُسمى معركة الشرق الأوسط التأسيسية كما يصفها صديقي العزيز؟, كل تلك التعقيدات والخيوط المُتشابكة ما أصفحت عن ذاتها حين الصريخ "الشعب يريد إسقاط النظام ", لذا أجد إشكالية عُظمى في العودة لمعانقة الظلام والتأقلم معه, ولا أقبل تجّرع العلقم بعدما تلذذت بجوز الهند .

قبل تحميل أنظمة الحكم مسئولية إجرامها, وربما لا داعى لهذا فهي تعلم أنها مُجرمة, يتحتم التوجه إلى قادة الجيل, ولا أكيل اللوم ها هنا ناحية فصيل بعينه, إنما للجميع من أقصى اليمين وحتى منتهى اليسار وليصنف كل منهم نفسه تحت الراية التي يرى, أو ينزه نفسه عنها جميعاً إن شاء, منكم خائن غدر بنا, ومنكم متواطئ تلاعب بأحلامنا, وسواد غالبيتكم ضئيل الفكر عديم الفهم ساذج النية شرّد بآمالنا, ولا أبتغي بذلك تنصيل أنفسنا من الخطيئة, فقانون اللعبة لا يحمى المُغفلين, كما أنّ قليلي العلم كثيري الجهل لا بقعة صراع تتشوق لتدليلهم .

جيلٍنا المُغرّر به مديداً تتحتم علية عودة إلى مقاعده, يُصلح مَن يَقبل الإصلاح, وأعنى بذلك أنّ صدمة مُجالسة الجنان تلاها حين غفلة قذف لقلب النيران, أتلف عقيدة وإيمان عددٍ ليس بالقليل, صناعة منطقة أمنة غير المُحترقة أول الواجبات الطارئة نحو الأجيال القادمة, لا ليتشبثوا بأريحيتها, إنما لبقاء أذهانهم صافية غير مُعكرة بُدخان ما سبق, وهرباً من دهس الطور الدولي فاقد الوِجهة لعقول مُبشرة تستحق الحياة, نرجو لهم عِلماً عميقاً, ونظرة شاملة ترقب الكوكب بأسره لا القُطر الضيق, إتقان ما سلف لمنع وقيعة أخطائه فيما هو أت, نُريد لهم إذا ما خلا البرق ساعة غُرة تحملوا صعقة, ولن يتأتى ذلك إلا ببُنية فكرية راسخة, لا بسطحية وتفاهة زينت حالي وحال المصدومين .

لا أعلم الدافع وراء كتابة تلك الحروف, أيأس هو أم رغبة مُسن شاخ عند عشرينيات عُمره جراء هول ما صادف بقوام فكري ومعلوماتي هش للغاية في تقمص دور الناصح الراجي لأبنائه تجنب الضرب على القفا كما فُعل به, أتبرير تقاعس أجُبر عليه أم مُقدمات انسحاب من مشهد يبدو قاتم السواد, رُبما استعباد روتين المهام الحياتية القادمة هو الدافع, على كُل خسرنا جولة, شخصياً لم يقع بي ضرر جسدي, فقط أنين نفسي جرّاء مشاهدة حية لرؤوس حطمها الرصاص وعدة لقطات مُؤسفة لقتامة الاعتقال واجهها أصدقاء, واضطراب روحي يُقيم كل ثانية مضت.

أتمنى للمُقصّفة مناطقهم الآمنة الحين أن تنعم بالهدوء, ثم ينعموا هم بالدراية الكاملة لا المُنتقصة, لا ريب ستختلف الرؤية أعلى أسوار رقعة الاطمئنان, لن يروا وراءها الكلاب وحدها, بل الكلاب والذئاب والأسود, عندها تتضاءل احتمالية التهاهم بعد تمام الصورة, أو على الأسوأ لن يُفجعوا بسماع طرطقات عظامهم تعزف لحن الرحيل فوق أنياب الضواري .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.