المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد بن عبد الرحمن العرفج Headshot

الأمم الواعية والدساتير المكتوبة

تم النشر: تم التحديث:

خلال فترة دراستي لمادة القانون، درسنا مادة عن القانون الدستوري المقارن (Comparative Constitutional Law). كانت الدراسة ممتعة؛ لكونها تقارن بين النظم الدستورية الديمقراطية المختلفة، وكان أستاذ المادة كثيراً ما يفتح مجال النقاش للجميع لإبداء آرائهم وانتقاداتهم، وفي كثير من الأحيان كان الطلاب يختلفون ويتناقشون طويلاً. أغلب الطلاب، (وأنا مثلهم)، كانوا منبهرين بمدى الاختلاف بين أنظمة دول متقدمة لطالما ظنوا أنها متشابهة.

هذا نظام رئاسي، وذاك برلماني، والآخر شبه رئاسي. في هذه الدولة دستور سهل ودائم التعديل، وفي تلك دستور عريق صعب التعديل والتبديل، وفي الثالثة دستور شامل لمواد غير قابلة للتعديل، وفي الأخيرة لا يوجد دستور مكتوب أصلاً.

في هذه الدولة محكمة عليا تراجع وتبطل أي قانون صادر عن السلطة التشريعية ترى أنه مخالف للدستور، وفي الأخرى نصوص تمنع أي مراجعة لقانون صادر عن البرلمان الممثل للشعب. حقوق في هذا الدستور ليست موجودة في الدساتير الأخرى.. إلى غير ذلك من الفروق. ومع كل هذا الاختلاف، لم تزل كل هذه الدول تصنَّف كدول حضارية متقدمة وديمقراطيات عتيدة تقوم على سلطة القانون لا الأشخاص.

وفي المقابل، درسنا كيف أن دولاً أخرى لديها دساتير تحوي كثيراً من النصوص عن حقوق وضمانات وغيرها من تفصيلات، بما يربو ربما على ما يوجد في كثير من دساتير الدول أعلاه، حتى ليظن قارئ بعض مواد هذه الدساتير أنه أمام أرقى أنظمة العالم، وأكثرها حضارة واحتراماً لحقوق الإنسان. لكن، الحقيقة أن هذه الدول لم تزل أنظمة متخلفة ملأى بالفساد وانتهاك حقوق العباد.

قرأنا على سبيل المثال مواد الدستور السوري والمصري التي تكفل حقوق التظاهر وحرية التعبير! رأينا كيف أن دولاً مختلفة في أوروبا الشرقية وأميركا الجنوبية، استنسخت دساتير بعض الدول المتقدمة، لكنها عادت، وربما تحت مظلة هذه الدساتير، إلى سلطة الأفراد ودولة الفساد وقمع الحقوق والحريات.

أين الإشكال إذاً وما الحل؟
أستطيع القول باختصار: إن الجواب يكمن في كلمتين: "أمة واعية".

الفرق بين نجاح وتفعيل دستور مكتوب، وفشله وإهماله؛ بل ربما استغلاله، شعبٌ يقظ، وأمةٌ واعية، يهمها تفعيل الضمانات والأهداف التي من أجلها أُوجدت هذه الدساتير أكثر من مجرد نصوصها أو وسائلها. الأمة الواعية هي التي تعي ثم تعمل حاميةً للإبقاء على فاعلية ضمانات الدستور وسلطة القانون.

حين نقول أمة واعية، لا يعني بالضرورة أن كل أفراد هذه الأمة هم على المستوى نفسه من الوعي؛ وكذلك الحال في الأمم الأقل وعياً في الوقت الحالي، حيث إنه قد يوجد فيها مجموعات هي في أعلى مستويات الوعي. الفرق بين الأمة الواعية وغيرها يكمن في الاتجاه العام للأمة وتياراتها المختلفة، ومدى تأثير مؤسسات المجتمع المدني في واقعها، وهذا كله ينبني على عوامل كثيرة متعددة.

في كل أنظمة العالم، حتى المتحضرة المتقدمة منها، يميل غالباً أصحاب السلطة إلى الاستحواذ على المزيد منها وعدم التنازل عنها، وربما للفساد والاستبداد؛ لكن الفرق يكمن في رد الفعل الشعبي العام تجاه هذا الجنوح.

في الدول المتقدمة سلطات مفصولة مستقلة، وإعلام حر مسؤول (يمثل الشعب لا السلطة) يرصد ويُسائل، وقضاء مستقل يراجِع ويحاسِب، ومنظومات فكريّة منتشرة ومتوافَق عليها كالعدل والحرية الاقتصادية والسياسية، ووراء هذا كله شعب واعٍ يعتقد أنه هو الوطن والمتحدث باسم الوطن، وأنه مُفوِّض وفي الوقت نفسه مُراقِب ومُحاسِب، يملك سلطة الصندوق التي يخافها السياسي المراقِب لصورته في الإعلام ومدى رضا ناخبيه عنه؛ لذلك يعرف السياسي في هذه البلاد أن سلطته ليست محدودة وأنه مُراقَب ومُساءل، فيقتل الجنوح الذي بداخله.

وفي المقابل، بالدول المتخلفة، سلطات موهومة، وإعلام دجال كذاب، وقضاء صوري غير مستقل ولا نزيه، ووراء هذا كله شعب متخلف يعتقد أن الزعيم إله معصوم، ويصفق له ولظلمه، ويرقص على أكاذيب أبواقه الإعلامية، ويؤمن بدجل قضاته ورجال دينه ويقبل بالتنازل عن كل الضمانات الدستورية الواحدة تلو الأخرى. وأما أحرار هذا الشعب من أهل الوعي، فهم بين سجين وقتيل، أو معتزل يخشى صولة الزعيم وسجّانيه وجلّاديه ودجّاليه. وباسم هذا الشعب والدستور يُنحر الوطن وتُنتهك الحريات والحقوق.

المسألة ليست نظاماً معيناً يا سادة. الأمم الحرة لم تصبح حرة بكلام جميل مرصوص، أو استنساخ لدساتير أو نصوص. الأمم الحرة أخذت حريتها ولم تُعطَ لها، وأصبحت حرة بعد أن صارت واعية، مطالِبة بحقوقها وحرياتها، ومؤمنة بأنها سادة أوطانها.

الأمم الحرة والشعوب المتقدمة أصبحت حرة ومتقدمة؛ لأنها أرادت أن تكون كذلك، فوعت وتعلمت وغيَّرت حتى حصّلت. نشر الوعي بين أفراد الأمة لازم لكل أمة طامحة إلى النهضة وراغبة في الريادة.

الوعي بمدى أهمية إيجاد وتفعيل الضمانات الدستورية (حقيقةً، لا زيفاً وبهتاناً) والتي تضمن من خلالها الأمة حماية حقوقها وأوطانها، فتطالب بدولة القانون والعدل الذي لا يتجزأ ولا ينقسم، وتطالب بضمانات توزيع السلطات، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، وأن تظل الأمة هي الحامية لكل هذا عبر سلطتها التي لا تتنازل عنها ولا تكسل عن أداء واجباتها.

الدساتير آلات مهمة تستخدمها الأمم الحرة الواعية التي أخذت هذه الدساتير بأيديها بعد أن وعت أهميتها وكيفية تفعيلها، لا تلك الأمم التي حصلت على نسخ مزيفة منها، ليس من أجلها، وإنما لإسكات العالم الخارجي حولها.

قال تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". [الرعد: 11].
وقال ﷺ: "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم، فقد تودّع منهم". رواه الحاكم في المستدرك.

أصل هذا المقال نُشر في 8 يونيو/حزيران 2015 في موقع التقرير.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.