المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خليل المقداد Headshot

قراءة في اتفاق المدن الأربع وأهميته بالنسبة لإيران!

تم النشر: تم التحديث:

من غير المؤكد ما إذا كان سيبدأ الثلاثاء تنفيذ أولى مراحل اتفاق المدن الأربع "كفريا - الفوعة والزبداني - مضايا"، هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه بعد مفاوضات مباشرة في العاصمة القطرية الدوحة بين ممثلين عن إيران وآخرين عن جيش الفتح "هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام"، إضافة إلى فصائل أخرى؛ حيث ينص الاتفاق في بنده الرئيسي، على إخلاء مدينتي الفوعة وكفريا الشيعيتين من سكانهما، مقابل خروج المسلحين وعوائلهم من مدينتي الزبداني ومضايا.

اتفاق الدوحة جاء تتويجاً لمفاوضات واتفاقات كانت بدأت في الشهر التاسع من العام 2015، وشملت أيضاً مناطق من محافظة إدلب؛ حيث نصت حينها على وقف إطلاق النار في المدن الأربع، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إليها، لكن نظام الأسد وميليشيات حزب الله لم تحترم ما تم الاتفاق عليه، فلم تسمح إلا بإدخال النزر اليسير من المساعدات، التي تم سرقة أهم محتوياتها، وخاصة الطبية منها، واستمرت بحصار وادي بردى وتجويع سكانه واستهدافهم قنصاً وقصفاً، بينما كانت المساعدات تدخل إلى المدينتين الشيعيتين براً وجواً، فكان يتم إسقاط المساعدات الطبية والغذائية إضافة للأسلحة وحتى الأموال عن طريق الجو، ما جعل كفريا والفوعة تعيشان في بحبوحة كبيرة بالمقارنة مع مدن وبلدات وادي بردى المحاصرة.

مما نص عليه الاتفاق الأخير، وقف لإطلاق النار مدته تسعة أشهر، ويشمل عدة مدن وبلدات هي: مضايا الزبداني، وكفريا والفوعة وما حولهما، إضافة إلى "تفتناز وطعوم ومزارع بروما وزردنا وشلخ ومعرة مصرين ورام حمدان ومدينتي بنش وإدلب المدينة"، وكذلك بلدات "يلدا وببيلا وبيت سحم" جنوبي دمشق، وعلى أن يتم إخلاء كامل سكان الفوعة وكفريا، خلال مدة زمنية أقصاها 60 يوماً، وعلى مرحلتين ابتداءً من 4 أبريل/نيسان 2017، مقابل ترحيل مقاتلي الزبداني وعوائلهم من مضايا والزبداني والمناطق المحيطة بهما إلى الشمال السوري، على أن يترافق ذلك مع إدخال مساعدات إنسانية إلى المناطق المذكورة بما فيها حي الوعر الحمصي المحاصر الذي انتهت المرحلة الثالثة من خروج مسلحيه وعوائلهم باتجاه الشمال السوري "الباب وجرابلس، والريف الشمالي لحمص".

المرحلة الثانية من اتفاق المدن الأربع، تتضمن إطلاق سراح 1500 من المعتقلين في سجون النظام، يتم التفاوض لاحقاً على تحديد أسمائهم كون ملف المعتقلين بيد نظام الأسد.

كما نص الاتفاق على تقديم قوائم مشتركة من الطرفين بأعداد وأسماء الأسرى، إضافة لإخلاء مقاتلي "هيئة تحرير الشام" من مخيم اليرموك جنوبي دمشق.

الاتفاق وبحسب ما رشح من معلومات ينص صراحة على ضمان بقاء مَن يرغب بالبقاء شريطة تسوية أوضاعهم وعدم ملاحقتهم أمنياً، وبمعنى أدق فإن الاتفاق لا ينص على إخلاء كامل سكان الزبداني ومضايا أو الفوعة وكفريا.

بالعودة إلى ردود الفعل التي أثارها الاتفاق، يمكننا ملاحظة دخول الائتلاف السوري على خط المناكفة السياسية؛ حيث أصدر بياناً أدان فيه الاتفاق واعتبره تهجيراً قسرياً وتغييراً ديموغرافياً، ووجه مذكرة قانونية للأمين العام للأمم المتحدة والدول الخمس دائمة العضوية.

الغريب في الأمر هو الصحوة المفاجئة للائتلاف، الذي صمت عن عشرات عمليات التهجير القسري المجحفة بحق السوريين، فمن حي الوعر مروراً بخان الشيح وداريا وقدسيا والهامة وتل منين، وصولاً إلى الباب والرقة، لم نشهد له أي رد فعل يمكن التعويل عليه، هذا عدا عن مشاركته في كافة جولات المفاوضات في جنيف وأستانا والتي لم تحقق أياً من تطلعات الشعب السوري ومطالبه، ولم تنجح في تحقيق اختراق يمكن التعويل عليه لجهة التوصل لأي تسوية سياسية تضمن إسقاط منظومة الحكم أو حتى تنحي الأسد على أقل تقدير.

لعل الشيء الإيجابي الوحيد في مذكرة الائتلاف القانونية الموجّهة لأمين عام الأمم المتحدة هو ما يمكن اعتباره اعتراضاً قانونياً يوثق عملية التهجير، وبحيث يمكن الاستناد إليها مستقبلاً في إعادة تصحيح الوضع الديموغرافي وإعادته لما كان عليه قبل عمليات التهجير الممنهجة التي مورست على مدى سنوات عدة.

محمد علوش، رئيس المكتب السياسي لـ"جيش الإسلام"، أدان الاتفاق واعتبره خيانة، وذلك عندما غرد على موقع تويتر بالقول: "ما زالت الحقائق تتكشف في علاقة إيران العضوية العميقة بالقاعدة، وهذه حلقة مهمة في هذه الخيانة"، مضيفاً أن "أخطر ما فيها ليس إمارة إدلب، وإنما تعزيز الوجود الطائفي الصفوي الشيعي في دمشق وضواحيها بعد تهجير المسلمين السنة منها".

لا شك أن شهادة علوش مجروحة، لعدة أسباب، فعدا عن الحساسية المفرطة والعداء المستحكم بين الجيش والهيئة، فإن علوش شارك في معظم جولات المفاوضات في أستانا وجنيف وبصفة كبير المفاوضين، في حين أن كثيراً من السوريين يأخذون على جيش الإسلام عدم مؤازرته لمدن وبلدات ريف دمشق كداريا ووادي بردى وغيرها إضافة لعدم مشاركته في معركة دمشق الأخيرة "يا عباد الله اثبتوا"، وبالتالي فيمكننا اعتبار الإدانة من باب تسجيل المواقف والمناكفة السياسية لهيئة تحرير الشام.

من ردود الفعل السلبية على الاتفاق هو ما جاء في بيان صدر يوم الجمعة 31 - 3 - 2017 لما سُمي باللجنة السياسية الممثلة للفعاليات المدنية والتشكيلات العسكرية في كل من يلدا وببيلا وبيت سحم، من أن أي اتفاق، وخصوصاً ما تسرب مؤخراً من ربط منطقتنا بمناطق أخرى "كفريا والفوعة" فهو لا يعنينا من قريب أو بعيد، وأن "اللجنة السياسية" في جنوب دمشق تؤكد أنها الجهة الوحيدة والمفوضة عن المنطقة لإبرام أي اتفاق، وهو ما يمكن اعتباره دخولاً على خط المفاوضات وصولاً لتحقيق مكاسب ما.

من المهم التذكير بأن بلدات "يلدا وببيلا وبيت سحم" في حالة هدنة فعلية ومصالحة مع نظام الأسد وتشهد وقف إطلاق نار، ويسمح لسكانها بالتنقل من وإلى دمشق عبر ممرات محددة ومتفق عليها، إضافة لتوفر المواد الغذائية والتموينية والطبية، والمحروقات، وبأسعار تكاد تكون مساوية للأسعار في مدينة دمشق نفسها، وبالتالي فإن حديث اللجنة السياسية عن رفضها للاتفاق ليس في محله فالاتفاق يقضي بتأمين خروج مقاتلي هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام من المنطقة، وخاصة من مخيمي اليرموك وفلسطين المتداخلين والملاصقين لبعضهما البعض.

لعل ردود الفعل الإيجابية الوحيدة وعلى غير المتوقع، جاءت من الزبداني ومضايا؛ حيث أكد العديد من أبناء المنطقة أنهم موافقون على الاتفاق، وأنه أهون الشرين، وذلك نتيجة المعاناة وانعدام أبسط مقومات الحياة، ولعلهم محقون في هذا الأمر، فقد وصل الأمر حداً أصبح سكان المنطقة يموتون جوعاً ومرضاً بسبب نقص المواد الأساسية من غذاء ودواء.

الأمم المتحدة وعلى لسان نائب المتحدث الرسمي باسم أمينها العام "فرحان حق" اكتفت بالقول إنها تراقب عن كثب مجريات تطبيق الاتفاق، وإنها قلقة بشأن سلامة وحماية ما يقدر بـ60 ألف شخص من سكان المدن الأربع، وعلى أن إجلاء المدنيين يجب أن يكون آمناً وطوعياً وأن يختاروا الوجهة التي يريدونها، والسماح لهم بالعودة الطوعية إلى ديارهم متى سمحت الظروف بذلك.

أما أغرب الانتقادات فقد وردت من خلال بيان غير موقع، ومذيل فقط باسم "فصائل الجيش الحر" حيث وصف البيان الاتفاق بـ"المريب"، وطالب بإيضاحات من دولة قطر، كما أنه طالب "الجامعة العربية" بالتحرك الفوري وعقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية لمنع التهجير القسري، متناسين أنه ما حك جلدك مثل ظفرك، وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة وأن تخاذل الكثير من الفصائل وامتناعها عن نصرة وادي بردى وغيره هو ما أوصلنا لما نحن عليه. ألم يثبت بالدليل القاطع عجز الجامعة العربية وتآمرها على الشعبين السوري والعراقي وحتى على تركيا؟

لا شك أن الاتفاق يخدم مخطط التهجير، لكن سيكون من المجحف حقاً أن نحمل سكان ومقاتلي المنطقة مسؤولية ما حدث، خاصة أن التهجير أصبح هو السمة السائدة بعد استفراد نظام الأسد وداعميه بالمناطق المحررة في ريف دمشق، وقطع طرق الإمداد والتواصل فيما بينها، وبالتالي فإن مسؤولية هذه الانتكاسات هي مسؤولية جماعية تتحملها المعارضة السياسية ممثلة بالائتلاف وهيئة المفاوضات، إضافة للفصائل المسلحة المتواجدة في المنطقة الممتدة من ريف حمص شمالاً إلى درعا جنوباً؛ حيث سقطت جميعها في فخ الإملاءات الدولية التي مكنت نظام الأسد من الاستفراد بحزام دمشق المحرر والتعامل معه عسكرياً كل على حدة.

لا هيئة تحرير الشام ولا حركة أحرار الشام ولا أي فصيل آخر يملك حق تقرير مصير الشعب السوري أو التحدث باسمه، لكنها الظروف المأساوية التي يعيشها الناس، وما خلفه الصراع من أزمات وتعقيدات نتيجة التكالب الإقليمي - الدولي، ومحاولاته فرض الاستسلام ليس على الشعب السوري وحسب، ولكن على كافة الشعوب العربية، وهو ما دفع للقبول باتفاقات مرحلية ربما تكون مجحفة لكنها تحفظ ما تبقى من حياة وكرامة الإنسان السوري المحاصر، ومع هذا فإن الفصائل المسلحة مسؤولة بشكل مباشر عما آلت إليه الأمور ولا عذر لمن تخاذل، ونقد الاتفاق لا يعفي من المسؤولية بحال من الأحوال!

لكن لماذا اتفاق المدن الأربع مهم جداً بالنسبة لإيران؟

إيران وبكل الدهاء المعروف عن الفرس، تستخدم سياسة توظيف أشياعها في الحروب التي تشنها ضد المسلمين والعرب، فهي سياسة أثبتت نجاعتها لسببين؛ الأول: كونها توفر الدم الفارسي، والثاني أنها تحدث شرخاً عميقاً في بنية دولنا ومجتمعاتنا، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام تدخلها بحجة حماية المستضعفين الذين وظفتهم لنشر الفوضى والخراب، وصولاً لضرب مجتمعاتنا من الداخل كما هي سياستها في ضرب الإسلام.

من هنا يمكننا الولوج لفهم حقيقة هدف إيران من مسألة القبول بترحيل سكان الفوعة وكفريا، البالغ عددهم حوالي 30 ألف نسمة بحسب الصفحات الإخبارية التابعة لهما (عدد سكان الفوعة يفوق عدد سكان كفريا بأضعاف)، في حين أن بعض الجهات المحسوبة على إيران ونظام الأسد تبالغ في تقديراتها وتقول إن عدد السكان يربو على 50 ألف نسمة، على العموم ويغض النظر عن الفارق الكبير بين الرقمين، فإنه حتى رقم 30 ألفاً يعتبر رقماً كبيراً بحسابات إيران، خاصة أن معظمهم من المقاتلين المدربين على السلاح والذين خاضوا معارك ضد فصائل المعارضة، وعليه فإنهما تعتبران خزاناً بشرياً لا يستهان به، ويمكن أن يخدم أهداف إيران في سوريا من خلال الزج بهؤلاء في جبهات القتال.

لطالما كانت الفوعة وكفريا خزاناً بشرياً يمد قوات الأسد بما يحتاجه من شبيحة؛ لهذا فإن استمرار حصار الفوعة وكفريا يجعل منهما بضاعة كاسدة، ورأس مال مجمداً تدفع فوائده بلا عائد، ما يجعل القضية خاسرة بالنسبة لإيران ونظام الأسد اللذين يعانيان من نقص العنصر البشري المدرب والقادر على القتال، وبالتالي فإن تهجير سكانهما، سيسمح لإيران باستغلال القادرين على حمل السلاح منهم والزج بهم في جبهات أخرى.

من هنا يمكننا القول إن الاتفاق يخدم أهداف إيران التوسعية، ولهذا فإنها استماتت للحصول عليه وهي كانت مستعدة لدفع ثمن أكبر بكثير من الذي دفعته، خاصة أن سكان الفوعة وكفريا يدينون بالولاء لإيران وهم من أشد المعادين للثورة.

مثلما أن الاتفاق يخدم مصلحة إيران، فإنه أيضاً سيسهم في استغلال هيئة تحرير الشام والفصائل المشاركة في حصار الفوعة وكفريا لمئات الجنود المشاركين في الحصار وتوجيه طاقاتهم باتجاه مناطق وجبهات أخرى، فالمحاصر محاصر بدوره.

لكن هناك حقيقة لا يجب أن تغيب عن أذهاننا وهي أنه وبمجرد الانتهاء من تنفيذ الاتفاق، فسيتم سحب ورقة البلدتين الشيعيتين من يد المعارضة، الأمر الذي سيسرع باستهدافها في معاقلها الرئيسية في إدلب.

وهنا لا بد لهيئة تحرير الشام من القيام بخطوات استباقية تمنع استهدافها في إدلب، وقد يتعين عليها الانتقال لنوع جديد من الحروب ألا وهو حرب الكر والفر والامتناع عن اتخاذ المدن مقرات دائمة في مواجهة الجيوش النظامية المسنودة بالطيران.

من غير المعلوم ما هي المنطقة التي سيتوجه إليها النازحون من الفوعة وكفريا، لكن لا يجب بحال من الأحوال السماح لهم باستيطان منطقة وادي بردى؛ لأنهم سيشكلون بؤرة سرطانية قد يصعب استئصالها لاحقاً، ويجب أن نعلم أن نظام الأسد وإيران والميليشيات الشيعية ومن خلفهم روسيا لم يحفظوا عهداً ولم يرعوا ذمة، وكانوا دائماً ينقضون كل ما يتم الاتفاق عليه؛ لذلك فمن المهم عدم الركون إلى هذه الاتفاقات كونها فرضت بسياسة الأمر الواقع، وبالتالي فإنها باطلة وغير شرعية ولا بد من التخلي عنها في مرحلة لاحقة.

لو علمت فصائل المعارضة حجم الألم الذي تعاني منه حواضن النظام، والتذمر الحاصل بين أبنائها نتيجة الخسائر البشرية الكبيرة في صفوفهم لما أوقفت هذه الفصائل معركة ولا أسكتت جبهة، ولاستمرت في استنزاف إيران وربيبها الأسد، من خلال فتح كافة الجبهات وإن باستخدام أسلوب حرب الكر والفر، الذي أثبت نجاعته على مر العصور، لكن الإرادة مرتهنة في جزء كبير منها للإملاءات الخارجية، التي تكبل أيدي الثوار والمجاهدين المخلصين، التواقين لمواجهة المحتل الصفوي الصليبي، الذي يقتل ويدمر ويهجر دونما وازع من خوف أو إنسانية، فهل سنشهد نقلة نوعية في طبيعة العمليات العسكرية أم أننا سنبقى ندور في دائرة الفعل ورد الفعل والتقوقع في المدن والبلدات التي أصبحت إقطاعيات تتساقط واحدة تلو الأخرى؟

ـــــــــــ

* هذه المادة منشورة على موقع أورينت نت. لقراءة المقال من المصدر يرجى الضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.