المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خليل المقداد Headshot

ما بين نكسة حلب وصفعة تدمر

تم النشر: تم التحديث:

تبدو إيران مرتاحة جداً لتطورات الوضع في المنطقة، فعملية الموصل تحقق بعض التقدم حتى وإن كان بطيئاً، لكنها مستمرة وتحظى بدعم "تحالف دولي ستيني"، لم يبخل بتقديم الإسناد الجوي والبري، إضافة للدعم اللوجستي الذي تحتاجه عملية استئصال المقاومة السنية من آخر وأكبر حواضر العراق السنية، وإن بحجة الحرب على الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة الإسلامية، في حين أنه قد تم استبعاد تركيا عن العملية؛ ليتعهد رئيس وزرائها لاحقاً بالانسحاب من قاعدة "بعشيقة" بعد انتهاء عملية الموصل، بحسب رئيس وزراء العراق حيدر العبادي.

في سوريا لا يبدو أن الوضع يختلف كثيراً بالنسبة لإيران، فمعركة حلب وبحسب تصريحات دي ميستورا "الفرح جداً" بما آلت إليه الأمور، باتت في مراحلها الأخيرة، فقد تم تدمير معظم أحيائها المحررة وتشريد أكثر من مائة ألف من سكانها، حتى الحديث عن إخراج المسلحين المحاصرين في المدينة مع عوائلهم أصبح من الماضي، في حين أن بعض الفصائل منشغلة إما بمعركة الرقة إلى جانب وحدات حماية الشعب التركية، أو بمعركة درع الفرات، أما في الجنوب، فإن الأسد مستمر في قضم أراضي حوران المحررة، بينما لا تبدو فصائل الجيش الحر معنية أو مهتمة بما يحدث في حلب، فانشغالها ينصب على معركة استئصال جيش خالد بن الوليد، بعد سقوط قذائف على الجانب المحتل من فلسطين.

دولياً وخلال مؤتمر ما يسمى اجتماع أصدقاء الشعب السوري في باريس، فقد سرب وزير الخارجية الفرنسي خبراً مفاده أن المعارضة السورية ممثلة بـ"رياض حجاب" قدمت عرضاً لاستئناف المفاوضات مع نظام الأسد ودون شروط مسبقة، وهو العرض الذي قال عنه الوزير الفرنسي إنه فرصة لا تفوت، في حين أن "العبدة" رئيس ما يسمى "الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة" طالب بجعل إدلب مدينة منزوعة السلاح!

خسارة حلب، التي توحَّد من بقي من مجاهديها تحت إمرة قائد واحد، تعني أن الثورة السورية قد دخلت منعطفاً حاسماً حرجاً، بات معه الحديث عن جيش حر ومقاومة أمراً في غاية السذاجة، خاصة مع دعوة "العبدة" والعرض الذي تقدم به حجاب لمجموعة الدعم.

يمكننا القول إن معركة حلب كانت فخاً محكماً استدرجت إليه جبهة فتح الشام والحزب التركستاني، وبعض الفصائل التي أصر مقاتلوها على البقاء في المدينة، لكن ما يحز في النفس هو تبخر عشرات الفصائل المحسوبة على حلب، من إسلامية وليبرالية، أكبرها وأهمها: (حركة أحرار الشام الإسلامية، الجبهة الشامية، جيش المجاهدين، فيلق الشام، الفوج الأول، نور الدين الزنكي، السلطان مراد، جبهة النصرة، الفرقة 13، الفرقة 16، الفرقة الشمالية، صقور الجبل، جيش العزة، والفرقة الوسطى).

عدم شن هجومات معاكسة تحاصِرُ المحاصِرين إضافة لانشغال الكثير من الفصائل بمعركة درع الفرات، مؤشر كبير على أن المدينة قد خذلت عن سبق إصرار وتصميم، هذه المدينة التي احتضنت الفصائل، وتحمَّل أهلها القتل والتدمير وشظف العيش من أجلهم.

الولايات المتحدة مستمرة في الحشد لعملية الرقة التي أطلقها الأكراد على عَجَل تحييداً لتركيا، التي وعلى ما يبدو أنها ستكتفي بتأمين حدودها من خلال السيطرة على مدينتي الباب ومنبج، لكن ومع ذلك فإن الباب يبقى مفتوحاً على كافة الاحتمالات، فلقد عودتنا التجارب أنه لا ثوابت في الصراع على الساحة السورية؛ حيث الأجندات المتعددة، والأطراف متضاربة المصالح، ومع ذلك فإن جبهة فتح الشام وحلفاءها من الفصائل الجهادية قادرة على قلب الطاولة على الجميع، وقد نشهد انفراط عقد جيش الفتح وظهور تحالفات جديدة تخلط الأوراق، خاصة في ظل الانقلاب الذي حصل داخل حركة أحرار الشام بقيادة أحد مؤسسيها هاشم الشيخ أبو جابر.

حركة أحرار الشام، أحد أكبر فصائل المعارضة عدداً وعدة، لكنها غير متجانسة فكرياً، وشهدت العديد من الانشقاقات؛ نظراً لتعدد التيارات، وتباين الأيديولوجيات والتوجهات، وما حدث مؤخراً كان نتيجة متوقعة وحتمية للسياسات التي اتبعها ورثة القادة المؤسسين، وهو ما يمكن اعتباره السبب الرئيسي الذي يقف خلف انقلاب "أبو جابر" على القائد المعين حديثاً علي العمر "أبو عمار".

لا ينبغي أن نستبق الأحداث بالحكم على ما يحدث داخل حركة أحرار الشام، فالفصائل التي أعلنت تشكيلها لما يسمى "جيش الأحرار" تعتبر قريبة فكرياً من جبهة فتح الشام، وربما نشهد شكلاً من أشكال الوحدة أو الاندماج بين الفصيلين، وهو ما قد يساهم في استقطاب العديد من الفصائل الأخرى، لكن تبقى مسألة قدرة التشكيل على تأمين مصادر دعم وتمويل متجددة، أما مَن تبقى مِن فصائل في الحركة، فإنها ستجد نفسها أيضاً مضطرة للاندماج مع فصائل أخرى تحمل نفس توجهها.

ما حدث لمدينة حلب سيترك أثره الكبير على الثورة السورية عموماً، والفصائل المسلحة خصوصاً، وسيسرع عملية الفرز الفصائلي أيديولوجياً؛ ليصبح مسألة حتمية، يفرضها التباين في مواقف الفصائل الكبرى وداعميها، وسيستمر هذا الفرز لحين الوصول إلى اصطفاف كامل خلف تيارين لا ثالث لهما، جهادي سلفي تقوده جبهة فتح الشام وتنظيم الدولة رغم الشقاق الحاصل بينهما، وثوري مشرذم متعدد الولاءات، لا يزال يتخبط ولم يستطِع الاندماج في جسد واحد حتى بعد ستة أعوام من عمر الثورة، وذلك كونه يعتمد في تحركه على سياسات الجهات الداعمة، التي انعكست خلافاتها عليه سلباً، لكن التطورات ربما تعجّل بهذا الأمر؛ ليصبح الفرز والاستقطاب أكثر وضوحاً.

صفعة تدمر

في تدمر وبينما كان العالم منشغلاً بحلب والموصل وتوابعهما، وبينما ظن الجميع أن الأمور في عروس البادية السورية قد دانت للأسد وروسيا وإيران، فاجأ تنظيم الدولة الإسلامية الجميع بفتح معركة تدمر والسيطرة عليها خلال أربعة أيام مكبداً نظام الأسد والميليشيات الشيعية وما يسمى بقوات الدفاع الوطني، أكثر من 250 قتيلاً، إضافة لتدمير واغتنام عشرات الدبابات والآليات، واستعادة معظم المواقع التي خسرها في البادية قبل أقل من تسعة أشهر، بما فيها حقول ومعامل النفط والغاز.

لماذا تدمر مهمة لنظام الأسد؟

لأنها عقدة الوصل في إنتاج وتوزيع الغاز والمشتقات النفطية فحقول آراك، ودبيسان، والهيل، وحيان، وجحار، والمهر، ونجيب، والسخنة، وأبو رباح في تدمر تسهِم بنصف إنتاج سوريا من الغاز الطبيعي الخام وغاز البترول المسال. وهي كمية تغذي المصانع ومحطات الكهرباء بالغاز، كما أنها تؤمن الغاز للاستهلاك المنزلي، وبهذا فإن تنظيم الدولة الإسلامية يستطيع شل حركة نظام الأسد الاقتصادية وإن جزئياً، وهو ما سيجبره في النهاية على القبول بمقايضة الغاز بالمال والكهرباء وأشياء أخرى ربما، أما في حال حاول استعادتها فإن التنظيم قد يقوم بتفجيرها وحرقها كما فعل في حقل شاعر سابقاً.

من هنا فإن سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على تدمر لم تكن فقط هزيمة عسكرية، بل نكسة وصفعة قوية لإيران وروسيا والميليشيات الطائفية، قبل الأسد، فقد أتت في وقت شُرِبت فيه الأقداح ابتهاجاً باحتلال قوات الأسد وميليشيات إيران لمعظم أحياء حلب الشرقية المحاصرة، وبدعم جوي روسي كبير؛ ليتلقى الحرس الثوري الإيراني ممثلاً بقوات النبي الأكرم ولواء فاطميون الشيعي الأفغاني هزيمة مذلة في تدمر، خاصة بعد قيام الروس بتفجير قاعدتهم ومستودعات أسلحتها والفرار باتجاه مطار التيفور العسكري، الذي بات آيلاً للسقوط في أية لحظة.

الغريب أن فصائل الجيش الحر لم تستثمر عملية تدمر من أجل تخفيف الضغط عن المحاصرين في حلب، ولو من خلال إرسال تعزيزات أو شن هجوم مضاد من خارج المدينة يمكن له أن يحاصِر المحاصِرين، حتى توقيت فتح معركة الباب لم يكن مناسباً البتة، ولو أنها أجلت وتمت إعادة توجيه جزء من الفصائل المشاركة فيها باتجاه حلب المدينة لأمكن تغيير الوضع، حتى وإن من باب المحاولة.

يبدو أن معركة الباب التي سقط العشرات من أهلها بين شهيد وجريح نتيجة قصف الجيش التركي لها، كانت أهم بكثير من حلب، وسيحاجج البعض بأنها ستؤمن ملجأ للفارين من حلب، وهذا لعمري أسخف تبرير يمكن سماعه، فهو يعني أنهم قد خذلوا حلب من إيجاد ملجأ لأهلها في الباب!

لقد ظن الجميع أن تنظيم الدولة يتقهقر وبات يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأنه مشغول بالحشد لخوض آخر معاركه الكبرى في مدينة الرقة، لكنه ومن خلال سيطرته على مدينة تدمر ومطارها إضافة لحقول النفط والغاز، واستمراره بالتقدم باتجاه مطار التيفور العسكري، فإنه يكون بهذا أعاد خلط الأوراق مجدداً، وأجبر اللاعبين الكبار على إعادة رسم سياساتهم الخاصة بالتسوية، الأمر الذي قد يؤسس لفصل جديد، يعيد أطراف الصراع في سوريا إلى طاولة المفاوضات؛ لتبدأ حلقة جديدة من مسلسل جنيف الذي لا يبدو أنه سينتهي قريباً.

لقد التزمت فصائل المعارضة السورية المسلحة بكافة أنواع الخطوط الحمراء التي وضعها اللاعبون الكبار، ومن ضمنها فتح معركتي دمشق والساحل، إضافة إلى سبات فصائل الجنوب وصمتها القاتل، فما الذي حدث؟ لقد كافأنا العالم، الذي يدعي محاربة الإرهاب، بتهجير مدننا وقرانا، وآخرها مدينة حلب، وتسليمها لنظام الأسد الأقلوي وميليشيات إيران الطائفية، التي ارتكبت بحق الحلبيين جرائم حرب على مسمع ومرأى العالم، فكانت تصفيات ميدانية حتى لطواقم طبية ومسعفين، إضافة لعمليات اغتصاب ممنهجة؛ ليخرج علينا دي ميستورا مدافعاً عن الأسد والميليشيات الشيعية بالقول: "لا توجد أدلة على أن الجثث في شوارع حلب قد كانت بسبب نيران النظام السوري".

حلب أشبه ما تكون بفتاة هُتك سترها على مرأى عشيرتها، هي فضيحة أممية، عربية، إسلامية، وانتكاسة ثورية عظيمة، وقبل هذا إنسانية، لكنها ستقلب الموازين وتغيّر طبيعة الصراع في سوريا والمنطقة إلى الأبد، وويل للعرب من شر قد اقترب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.