المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خليل المقداد Headshot

تركيا.. استبعادٌ من الموصل وتوريطٌ في الرقة

تم النشر: تم التحديث:

لا يبدو أن إدارة الرئيس أوباما تكترث لمصير مئات ألوف العراقيين السنة، ولا حتى السوريين، فكل ما يهمها هو القضاء على تنظيم الدولة، وتحقيق نصر سريع يحسب لأوباما، يستطيع من خلاله مغادرة البيت الأبيض بإنجاز تاريخي، يتمثل بالسيطرة على أهم وربما آخر معاقل التنظيم الكبرى في العراق، وبحيث يمكن استثماره في التغطية على إخفاقات الإدارة الأميركية في سوريا، وتعزيز حظوظ المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون بالوصول لسدة الرئاسة الأميركية كأول امرأة، أما ما شجع الإدارة الأميركية على تسريع إطلاق عملية استعادة الموصل في هذا الوقت وقبل اكتمال التحضيرات، فهو انحسار رقعة سيطرة التنظيم على الأرض وخسارته لمعاقل حصينة كتكريت والفلوجة والرمادي، فتم الحشد على عجل؛ لتنطلق العملية في السابع عشر من الشهر الحالي.

رغم ضخامة الحشد العسكري المخصص للعملية والمؤلف من تحالف دولي يضم 66 دولة، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية (6000 جندي)، وآخر فرنسي (4000 جندي)، وحشد شيعي من 30 ألف مقاتل، وتحالف كردي يضم نحو 50 ألفاً من أكراد العراق، وإيران، وتركيا، وسوريا، إضافة إلى لواء النخبة في الحرس الثوري الإيراني الذي يقوده قاسم سليماني شخصياً، مدعومين بإسناد جوي من أكثر من 100 طائرة، إلا أن هذا التحالف قد لا يكون قادراً على استعادة المدينة قبل شهور، ومن الممكن ألا ينجح في استعادتها على الإطلاق.

صحيح أن قرار فتح معركة الموصل المسماة "قادمون يا نينوى" كان بيد الولايات المتحدة، إلا أنه لا ضمانات بأن أوباما سينهي ولايته الثانية بإنجاز، على غرار نجاحه بتصفية أسامة بن لادن، خصوصاً إذا ما قرر التنظيم أن معركة الموصل هي حياة أو موت، فخسارة الموصل تعني أن التنظيم قد خسر أهم وأكبر حواضره وحواضنه السنية، لكن يبقى الأهم هو أن معركة الموصل ستقرر بطريقة أو بأخرى مصير الوجود السني في العراق، الأمر الذي قد يدفع العراقيين السنة للالتفاف حول التنظيم، في حين أن مقاتليه من غير العراقيين (المهاجرين) سيستميتون في القتال.

في الحديث عن موازين القوى العسكرية على الأرض، فإن أي مقارنة بين التحالف المهاجم وبين المدافعين عن المدينة، هي مقارنة غير عادلة بل وظالمة، فالتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة حشد أكثر من 100 ألف مقاتل مسلحين بأحدث الأسلحة، ومدعومين بغطاء جوي وبحري، وقواعد دعم لوجيستي واستخباراتي مهول، في حين أن عدد المدافعين عن مدينة الموصل يقدر بما بين 5000 ألف وعشرة آلاف مقاتل على أبعد تقدير، وهو ما يعتبر انتحاراً بالمقاييس العسكرية، لكن هذا ليس كل شيء، فهنا يبرز عاملان مهمان؛ الأول: هو التكتيكات العسكرية القتالية المتبعة على الأرض، والثاني: نوعية وعقيدة وخبرة المقاتلين، حيث تميل الكفة لصالح المدافعين عن المدينة، ولعدة أسباب أهمها:

أولاً: غياب التجانس والتنسيق بين الوحدات المهاجمة، فهي خليط من وحدات عسكرية نظامية، وأخرى ميليشياوية (أميركية، فرنسية، إيرانية، بيشمركة وميليشيات كردية سنية - شيعية، جيش وشرطة عراقية، حشد شيعي ميليشياوي، صحوات عشائرية سنية، إيزيديون، كتائب مسيحية، مرتزقة غربيون)؛ لهذا يمكننا القول إن التنسيق والتدريبات المشتركة لم تتوفر لهذه القوات، فإذا ما أضفنا لهذا العامل مسألة التنافس الميليشياوي، والصراع بين حكومة العبادي وحكومة البرزاني، إضافة للخلاف العراقي - التركي حول مشاركة الأخيرة في العمليات، فإن الصورة تصبح قاتمة.

ثانياً: ضعف القدرات والخبرات القتالية لدى عناصر البيشمركة والميليشيات الكردية المنضوية تحت رايتها، حيث لم تشارك في معارك كبيرة، حتى تلك التي خاضوها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، كانت محدودة وبغطاء جوي غربي، تولى مهمة التصدي لمعظم هجمات التنظيم، بعض المشاركين غادروا معسكرات التدريب للتو.

ثالثاً: غياب العقيدة القتالية لدى القوات المهاجمة، فمعظم عناصر الحشد الشيعي يقاتلون من أجل المال، ونهب ممتلكات العراقيين السنة، لهذا فإن قيادات الحشد تعمل وبتحريض وتخطيط إيراني على زرع عقيدة الانتقام من أحفاد معاوية ويزيد، في حين أن عناصر البيشمركة لا يتلقون رواتبهم بشكل منتظم، حتى إن بيعهم للسلاح الشخصي بات ظاهرة منتشرة على نطاق واسع، حتى إن المزارعين الأكراد لا يتلقون ثمن المحاصيل التي سلموها لحكومتي بغداد وأربيل.

رابعاً: اختلاف وتعارض أهداف التحالف، حيث يسعى كل طرف للاستفادة من حالة الفوضى في العراق وسوريا من أجل تحقيق أكبر مكاسب ممكنة، وعلى حساب المكون العربي السني في كلا البلدين، الذي بات بين مهجّر ولاجئ ومهمش. وهنا لا يمكن لنا إغفال المساعي التركية الحثيثة لحماية وتعزيز أمنها القومي، وتقاسم النفوذ مع بقية اللاعبين، سيما أن مناطق الشمال في العراق وسوريا من أغنى المناطق بالنفط والغاز.


لكل هذه الأسباب فإن معركة الموصل تبدو معقدة جداً، إن كان لجهة التحكم والسيطرة وإدارة العمليات القتالية، أو لجهة توحيد أهداف وأجندات المشاركين، ومدى قدرتهم على التأقلم مع الاستراتيجية القتالية، التي يتبعها تنظيم الدولة الإسلامية والقوات المدافعة عن مدينة الموصل، والمتمثلة بعمليات الكر والفر والمباغتة، من خلال الضرب في أماكن غير متوقعة، كما حدث في كركوك والرطبة، الأمر الذي يسهم في إرهاق وتشتيت قدرات القوات المهاجمة، وهنا تبرز التحديات الكبيرة التي تواجهها الولايات المتحدة، التي تتحرك على اتجاهين سياسي يسعى لتأجيل أو احتواء الخلافات بين أطراف التحالف، وعسكري يقود العمليات على الأرض، ويقدم الإسناد الجوي والدعم اللوجيستي، والتنسيق بين المهاجمين.

الولايات المتحدة تحاول الاعتماد على العنصر البشري المحلي خوفاً من تورط قد يكلفها فاتورة كبيرة من الدماء.

على عكس كل التوقعات والتكهنات، التي تشير إلى انحياز قيادات وبعض مقاتلي تنظيم الدولة، باتجاه سوريا، فإن الوقائع أثبتت عكس ذلك تماماً؛ حيث أكد أكثر من مصدر أن التنظيم استقدم تعزيزات كبيرة من سوريا، وهو ما أكدته بيانات للجيش العراقي، عن استهدافه لعشرات السيارات القادمة من سوريا باتجاه محافظة نينوى، وبالتالي فإن استراتيجية كهذه لا بد أنها ستربك خطط الولايات المتحدة الهادفة للتخلص من وجود التنظيم في العراق، وإن بإجباره على التوجه إلى سوريا، وهو ما قرأه التنظيم جيداً.

عند الحديث عن بنية التنظيم في العراق وسوريا، فإن الكثير من المهتمين بهذا الشأن من سياسيين وعسكريين، يخلطون بين أجنحته، ويعممون في تعاطيهم مع المسألة، فالتنظيم عبارة عن فصائل وأجنحة، وولايات تخضع كل منها لقيادة محلية تتولى إدارة شؤونها بشكل شبه مستقل عن غيرها، ولا تخضع للقيادة المركزية إلا فيما يخص السياسات العامة، في حين أن الكثير من الفصائل التي تقاتل إلى جانب التنظيم قدمت بيعة قتال فقط؛ لهذا فإن أي حديث عن طرد التنظيم من العراق هو محض خيال، فآلاف المقاتلين هم عراقيون يتصدون للمشروع الصفوي والهيمنة الإيرانية على العراق.

بعكس كل التصريحات الرسمية، التي تروج لتقدم القوات المهاجمة، فإن معركة الموصل تبدو صعبة للغاية، كونها تغطي كل اقضية المحافظة، واعتمادها على استراتيجية حصار القرى والبلدات التي يوجد فيها التنظيم، بدل اقتحامها تفادياً لدفع فاتورة دم كبيرة من جهة، ولعزلها ومنع مقاتلي تنظيم الدولة من القيام بهجومات مضادة، تستهدف أخيرات القوات المهاجمة من جهة ثانية، وهذا خيار آمن نسبياً، لكنه يشتت القوة المهاجمة ويفقد الهجوم زخمه وفاعليته.

انقلاب كردي
مسعود بارزاني أكد مؤخراً وفي تصريح مفاجئ، أن البيشمركة لن تدخل الموصل، وهذا قرار مرده إلى انكشاف ظهر البيشمركة التي تعرضت لضربة قوية في مدينة كركوك على يد بضع عشرات من مقاتلي التنظيم، كان جلهم من الأكراد المنضوين تحت رايته، ولا شك أن قراراً كهذا سيؤثر على سير العملية برمتها، لكنه قرار عملي فرضه الإحساس بحراجة الموقف، وعدم الرغبة في تقديم تضحيات لشيء لا مكاسب من ورائه، فالموصل قد تسلم للميليشيات الإيرانية في حال تمت استعادتها، لكن لا يمكن إغفال وجود تفاهمات أميركية - إيرانية - كردية حول هذا الأمر، يضاف لها المساعي الكردية لتوسيع مساحة الإقليم، وبالتالي فربما سيكتفي بارزاني بما حققه من توسع في محيط الموصل في الشرق والشمال؛ ليقتصر دور قواته على محاصرة المناطق التي يوجد فيها مقاتلو التنظيم، بينما سيترك لقوات الحشد الشيعي مهمة اقتحام الموصل، والاقتتال مع العرب السنة.

قوات البيشمركة بدأت بالفعل بإعادة رسم حدود الإقليم الجديدة بحفر الخنادق وإقامة السواتر الترابية، عند آخر نقطة وصلتها.

تركيا التي مُنعت من المشاركة في عملية الموصل برياً، تعول على مشاركة حليفها بارزاني، كونه يشكل عامل توازن ضد هيمنة الميليشيات الشيعية، التي دشنت باكورة تجاوزاتها وجرائمها، بحق أوائل المدنيين النازحين من الموصل؛ حيث سربت وبشكل ممنهج مشاهد تعذيب للأطفال واختطاف للمدنيين النازحين عن المدينة، وهذا قد يكون بتواطؤ مع جهات إقليمية ودولية كإيران والولايات المتحدة، التي ما فتئت تتعهد بعدم السماح بأي تجاوزات أو انتهاكات بحق المدنيين، لكنها غضت الطرف عما حدث لأسباب تتعلق بتسريع عملية سقوط المدينة من خلال تخويف سكانها بمشاهد كهذه ودفعهم للفرار، الأمر الذي سيطلق يد القوات المهاجمة في زيادة وتيرة التدمير.

معركة الرقة والفخ الأميركي المنصوب لتركيا
الولايات المتحدة وعقب اجتماع باريس الذي ضم خمسة عشر من وزراء التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية، أعلنت أنها ستطلق معركة الرقة، وأنها تفضل مشاركة قوات محلية في هذه المعركة، وذلك في إشارة لما يسمى قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية، هذه التصريحات التي يمكن اعتبارها مستفزة لتركيا، التي أحست بحراجة موقفها، وذلك لجهة تفضيل الولايات المتحدة التعاون مع الميليشيات الكردية وفرضهم على العملية، وهو ما أغضب الأتراك ودفعهم للرد على القرار، بالتصريح أنهم ماضون في معركة درع الفرات وصولاً إلى الرقة.

إعلان الولايات المتحدة عن نيتها فتح معركة الرقة، بمشاركة قوات محلية، كان على الأرجح فخاً أميركياً للأتراك، فالولايات المتحدة تدرك تماماً حجم الطموح والاندفاعة التركية في سوريا ورغبتها المشاركة في صنع مستقبل المنطقة والحفاظ على نفوذها، وهي بهذا التصريح تكون قد دفعت تركيا لمصيدة التحرك المنفرد باتجاه الرقة، خصوصاً أن الولايات المتحدة تفعل كل ما باستطاعتها لتفادي الزج بجنودها في معارك المنطقة.

المفارقة هي أنه لا حلفاء الولايات المتحدة "الأكراد"، ولا حلفاء تركيا "الجيش الحر"، يملكون القدرة منفردين على مهاجمة الرقة واستعادتها من يد التنظيم، وهم بالكاد يستطيعون فتح المعركة مجتمعين، فنظام الأسد وحلفاؤه من الميليشيات الطائفية والقومية جربوا حظهم قبل عدة شهور فحاولوا الوصول إلى الرقة بدعم جوي روسي، لكنهم دحروا عند حدودها الإدارية، فعادوا أدراجهم يجرون ذيول الخيبة باتجاه مدينة تدمر.

تستطيع تركيا وبواسطة حلفائها من الجيش الحر، التحرك باتجاه الرقة، لكنها لن تستطيع فتح المعركة دون مشاركة وحدات فاعلة من جيشها، وبغطاء وإسناد جوي من طيران التحالف، وتركيا تدرك هذه الحقيقة جيداً، وبالتالي فإن فتحها لمعركة الرقة يعتمد كلياً على ما إذا كانت مستعدة لدفع فاتورة الدم، مقابل عدم مشاركة وحدات الحماية الكردية.

تركيا مسكونة بهاجس التمدد الكردي، ولها في هذا الأمر ما يبرر قلقها، لكن ما لا تعلمه تركيا ربما، هو أن وحدات الحماية الكردية غير متحمسة جداً للمشاركة منفردة في معركة الرقة، وذلك لعدة أسباب، أهمها أنها غير مؤهلة لعملية كهذه، إضافة لضعف المكاسب التي ستجنيها مقابل فاتورة دم مرتفعة في مواجهة معقل التنظيم وعاصمته في سوريا؛ لهذا نصَبت الولايات المتحدة شراكها لتركيا بإعلانها التحضير للمعركة وبدئها بمشاركة الأكراد.

مشاركة فصائل من الجيش الحر إلى جانب تركيا في معركة الرقة ليست في صالحنا؛ لأنها ستكشف ظهر السوريين أمام قوات الأسد والميليشيات الداعمة له، وسيكون من الخير لتركيا والسوريين عوضاً عن ذلك، لو أنها تركت لوحدات "صالح مسلم" ومنظمة "بي كا كا" مهمة الغوص في مستنقع الرقة، فتُستنّزف وينكشف ظهرها لتركيا، تماماً كما انكشف ظهر البيشمركة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، فسارعت لسحب عدد من وحداتها كي تسد الثغرة، ليعلن بعدها بارزاني "عدم" مشاركة قواته بدخول الموصل، فهل سيتخطى الأتراك الفخ الأميركي المنصوب لهم في سوريا، بعد أن تم استبعادهم من المشاركة البرية في معركة الموصل العراقية؟ أم أنهم سيغوصون في المستنقع السوري وصولاً إلى استنزافهم كغيرهم؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.