المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خليل المقداد Headshot

لماذا ترامب وليس كلينتون؟

تم النشر: تم التحديث:

منذ أعلن عزمه الترشح لانتخابات الرئاسة الأميركية أواسط عام 2015، وهو مثار جدل لا ينتهي، لم يتوقع الكثيرون له أن يصمد أمام أي من المرشحين الجمهوريين، لكنه فعلها وفاز بترشيح الحزب له، ليفرض بعدها حضوره، ويعزز حظوظه الانتخابية، ولا شك أن الكثير من الأميركيين قد أعجبوا به، واعتبروه بمثابة المخلص، دافعهم إلى ذلك أصوله العرقية البيضاء، وعنصريته الفجة التي لم يخجل منها يوماً.

لم يسلم الكثيرون من لسانه السليط، ولا انتقاداته اللاذعة، التي وصلت إلى حد السخرية والإهانة، خصوصاً بحق المسلمين، والأقليات العرقية، والنساء، فهو لا يتورع عن مهاجمة كل من يعترض طريقه، أو يجد في مهاجمته فرصة لتعزيز حضوره وشعبيته، المثير في الأمر أنه لم يبالِ قط بكل ما نُشر وقيل عن سلوكه اللاأخلاقي وماضيه الحافل بالفضائح.

وكأن المجتمع الأميركي اليوم قد بات متقبلاً لما كان يعتبر قبل سنين قليلة فضائح، يمكن لها أن تطيح بأعضاء مجلسي الشيوخ والكونغرس وحتى بالرؤساء، وهي مفارقة عجيبة، إن دلت على شيء فإنما تدل على تغير كبير في سلوكيات وأخلاق المجتمع الأميركي، وهي مؤشر كبير على صعود التيار الشعبوي الديماغوجي، الذي يتخذ من العنصرية ودغدغة أحلام الناس، واللعب على مخاوفهم وأحلامهم، وسيلة للوصول إلى السلطة، وفي حالة ترامب فإن فوزه في الانتخابات الرئاسية سيعتبر وصمة عار على جبين الأميركيين.

في أول مناظرة تلفزيونية جمعت المرشحين؛ الديمقراطية هيلاري كلينتون، والجمهوري دونالد ترامب، بدا واضحاً تفوق وعلو كعب المرشحة الديمقراطية كلينتون ومهنيتها وخبرتها السياسية والاقتصادية؛ حيث كانت تقدم إجابات واقعية وعملية، في حين حاول ترامب المراوغة، ولجأ في كثير من الأحيان للضرب تحت الحزام واستهداف منافسته بشكل شخصي، حتى إنه قد قاطعها 51 مرة.

كلينتون كانت حاضرة وجاهزة للرد واستهداف ترامب بشكل شخصي أيضاً، وذلك عندما اتهمته باللصوصية وأكل حقوق الناس الذين عملوا معه؛ بل إن الأمر وصل إلى حد اتهامها له بالتهرب الضريبي، مستغلة عدم إعلانه عن الكشوف الضريبية الخاصة بثروته الكبيرة، لكن المفاجأة الكبرى تمثلت في اتهامها لترامب بالتهرب الضريبي، من خلال إعلان إفلاسه عدة مرات، وبتهريب أكثر من 350 مليون دولار إلى خارج الولايات المتحدة الأميركية، تفادياً لدفع ضرائب عنها، وهي تُهم كانت تكفي للإطاحة بأي رئيس أميركي منتخب، وليس مجرد رئيس محتمل.

رغم كل هذا، وحتى مع تصريحات ترامب المتكررة، والمسيئة بحق حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في أوروبا، وآسيا، والشرق الأوسط، حول نيته الطلب منهم دفع إتاوة الحماية التي تقدمها بلاده لهم، رغم كل هذا، لا يبدو أن شعبية ترامب قد تأثرت كثيراً، أو ربما هناك جهات لا تريد لها أن تتأثر، فقد بدا واضحاً وجود توجه فعلي لدى صناع القرار العالمي الحقيقيين بأن يكون ترامب هو الرئيس المقبل للولايات المتحدة الأميركية، فاستطلاعات الرأي التي خرجت علينا في اليوم التالي للمناظرة، عدا استطلاع شبكة "سي إن إن" الذي رجح كفة كلينتون، قدمت ترامب على أنه كان الأفضل، وأن شعبيته في ازدياد.

يتخوف الكثيرون، دولاً ومنظمات وأفراداً، من فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية ووصوله لسدة الحكم، وذلك على خلفية تصريحاته المثيرة للجدل، وخصوصاً فيما يخص مسألة الأمن العالمي، الذي حاولت كلينتون التركيز عليه بقولها: "لا يمكن تخيل أن شفرة السلاح النووي يمكن أن تكون بيد شخص مثل ترامب".

لكن في المقابل، فإن هناك شرائح شعبية كبيرة، وخصوصاً في المنطقة العربية، تتمنى وصول ترامب لسدة الحكم، وهم محقون في هذا إلى حد بعيد، والسبب في ذلك قد يعود لسياسة الإدارات الأميركية المتعاقبة، التي باعت الوهم للشعوب العربية، ودعمت إسرائيل على مدى عقود، لتتوّج سياساتها بالاتفاق النووي مع إيران، وموقفها من ثورات الشعوب العربية، وخصوصاً الثورة السورية، التي فضحت تآمر إدارة أوباما وتواطؤها مع روسيا ونظام الأسد ضد الشعب السوري، فهي التي منعت تسليح المعارضة، ورفضت حتى فرض عقوبات حقيقية عليه، فحمته ومنعت إسقاطه.

يعتقد الكثير من العرب أن فوز ترامب سيشكل فرصة مهمة لظهور الولايات المتحدة الأميركية على حقيقتها، معتبرين أن الرجل هو الوجه الحقيقي لحكام أميركا، ويرونه أكثر وضوحاً وصدقاً من غيره، وهو برأيهم لا يحاول أن ينافق أو يمارس التقية السياسية التي مارسها أسلافه، وبالتالي فإنه سيكون الرجل المناسب لإيقاظ النائمين من سباتهم، ويحاجج هؤلاء بأن أميركا بالنسبة للعرب والمسلمين، أياً كان الرئيس المقبل، فإنها لن تكون أسوأ مما هي عليه الآن.

كلا المرشحين يسعى لضمان تأييد اللوبي اليهودي، فتعهدا بدعم إسرائيل وضمان أمنها وتفوقها على العرب، لكن وفي حال وصل ترامب إلى السلطة، فإنه سيعترف بالقدس عاصمة موحدة للدولة العبرية، وسينقل السفارة الأميركية إليها، وربما ندفع له "الجزية" عن يد ونحن صاغرون.

من الخطأ أن نتوقع من الآخرين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، موقفاً عادلاً ومنصفاً تجاه قضايانا، خصوصاً ضد الكيان الصهيوني، إذ لا يمكن لأحد أن يكون عربياً أكثر من العرب، الذين يحج بعضهم إلى فلسطين المحتلة، طالبين من حكومات الاحتلال صكوك الرضا والغفران، ولنا في موت وجنازة القاتل شيمون بيريز مثال وعبرة.

الأيديولوجيات والنبوءات الدينية ليست حكراً على شعب دون غيره، فمثلما أن الشيعة يقاتلون المسلمين في الشام على أمل تسريع ظهور المهدي المسردب، فإن اليهود يؤمنون بأن بقاء العراق يعني حتمية زوال إسرائيل، وأن بقاء إسرائيل يعني حتمية زوال العراق، ولهذا عملوا على تفتيته وتسليمه لإيران، واليهود وكذلك المسيحيون والمسلمون، يعتقدون بعودة عيسى -عليه السلام- في آخر الزمان، ولكن كل بحسب روايته التي يؤمن بها، ومن يدري فلعل هناك من يفضل ترامب على كلينتون، ويريد له أن يكون هو الرئيس المقبل لأميركا، عله يقضي على أعداء دولة إسرائيل، فيسرع بظهور مسيحها المنتظر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.