المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خليل المقداد Headshot

مصر.. عندما نجح الإعلام في إسقاط ثورة

تم النشر: تم التحديث:

لم تكد تنجح ثورة الشعب المصري في خلع الرئيس حسني مبارك، إلا وانطلقت حملة شيطنتها، وإن على استحياء، حيث كانت البداية بتصريحات ولقاءات متلفزة لإعلاميين وفنانين تطلب العفو عن مبارك الذي بلغ من الكبر عتيا، مصورة إياه بالوطني الذي قبل التنحي ورفض مغادرة البلاد، ومذكرة بإنجازاته.

حتى عملية اعتقال ومحاكمة رموز الحكم لم تكن بالشكل المطلوب، حيث كان التلكُّؤ والمماطلة هما سيدَي الموقف، إضافة للفراغ الأمني الذي أحدثه الغياب المفتعل لأجهزة الشرطة وحرق ملفات جهاز أمن الدولة خشية وقوعها بيد الثورة فينكشف المستور، ناهيكم عن عمليات السلب والنهب المفتعلة، إضافة إلى تجاوزات حواجز الجيش ومن ضمنها عمليات التحرش الجنسي التي كان يمارسها بعيدا عن الأنظار والتي انكشف بعضها للإعلام ممثلا بوسائل التواصل الاجتماعي والتي كان لها الفضل في نقل صورة ما يحدث.

الإعلام المصري بجناحيه الرسمي والخاص كان يمارس وطوال أيام الثورة دورا مشبوها، رغم محاولته التماهي مع الثورة انحناء للعاصفة، لكنه كان يعود لممارسة دوره الهدام الذي ساهم بشكل كبير في نجاح انقلاب العسكر على الشرعية التي أفرزتها الثورة.

نفس الإعلام هو الذي سيمجد لاحقا حرب الكيان الصهيوني على غزة، مصورا نتنياهو كبطل ورجل سلام، وهو نفس الإعلام الذي سيطالب بحصار غزة وعدم السماح بدخول أي مواد إغاثية إليها، بل وسيطالب السيسي بقصفها، وهو ما يؤكد حقيقة أن هذا الإعلام المسير أمنيا لن يقف إلى جانب الشعب وثورته، فقد مهد لقيام الجيش المصري بمهاجمة سيناء ورفح المصريتين اللتين تعرضتا لحملة عسكرية شرسة هدمت الدور والمساجد واقتلعت الأشجار وشردت السكان، لتستكمل الجريمة بحصار وتجويع الفلسطينيين في غزة بإغلاق المعابر وإغراق الأنفاق بمياه البحر.

مما يسجل على الإعلام المصري وخاصة بعد الانقلاب على الشرعية ليس فقط التشجيع على القتل من خلال الإيحاء به، بل إن الأمر قد وصل حد الطلب العلني الصريح بالقتل والتدمير، وهو ما شجع جيش الكيان الصهيوني على قتل الفلسطينيين وبطريقة لم نعهدها من قبل، حتى أن أحدنا ليتساءل هل هذا الإعلام هو حقا إعلام مصر العربية، وما هو سر هذا الحقد الكبير ليس على غزة وفلسطين، بل حتى على المصريين من أبناء سيناء، وبل وعلى التيار الإسلامي.

إن أي ثورة شعبية لا تمارس شرعيتها الثورية في اجتثاث النظام الذي ثارت عليه، هي ثورة لن تحقق أهدافها ولن تستطيع فرض نفسها كأداة للتغيير الحقيقي الذي يمكن له أن إنتاج النظام الذي يحقق مطالب الشعب خاصة في الحالة العربية، حيث الأنظمة قد تجذرت عسكريا وأمنيا وإعلاميا واقتصاديا واجتماعيا، ونجحت في تقديم نفسها كشرطي على الشعوب العربية فحظيت بقبول الخارج ودعمه لها.

لقد مثلت ثورات الربيع العربي حالة صدمة للنظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها، الذين وجدوا أنفسهم أمام هبة جماهيرية عفوية لم يكن من الحكمة مواجهتها، فكانت عملية احتوائها قبل أن ترتد وتنقلب عليها وبشكل غير مباشر، فالأذرع والأدوات كثيرة.

في الحالة المصرية سنجد أن الهبة الجماهيرية قد نجحت في إسقاط رأس هرم السلطة المتمثل برئيسها حسني مبارك وبعض أفراد حاشيته، لكنها لم تمارس شرعيتها في اجتثاث الدولة العميقة وفرض التزام مؤسستي الأمن والجيش بإرادة الشعب في التغيير وإجبارهما على القبول بالنظام الذي ستفرزه الثورة، وخضوعهما للدولة المدنية وسيادة القانون، فمؤسسة الجيش كانت على الدوام هي من تُخضِعُ الدولة ولا تَخضَعُ لها.

الإعلام المصري مارس سياسة نشر الأكاذيب والتدليس وتشويه الحقائق، فكان أسوأ من "سحرة فرعون"، فكيف استطاعت حفنة من الإعلاميين إسقاط ثورة شعبية نجحت في الوصول إلى الحكم، وكيف استطاع هذا الإعلام إعادة تنصيب الجيش حاكما وبرضى الشعب هذه المرة، وهو ما دفع السيسي لتهديد المصريين بالويل والثبور وعظائم الأمور إن هم تجرأوا على العصيان أو القيام بثورة.

لقد كان الأمر ببساطة يعتمد على عملية إفشال للثورة من خلال شيطنة النظام المتمثل برئيسه المنتخب محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين التي ظنت بدورها أن الجيش قد خضع ونزل عن مطالب الشعب، خاصة بعد إقالة كبار مومياواته، فابتلعت الطعم.

من الأخطاء التي وقعت بها جماعة الإخوان المسلمين هي عدم تحالفها مع قوى الثورة، وركونها إلى الجيش والقضاء الفاسد الذي ظنته محايدا عادلا، لكنه لم يكن كذلك فهو صنيعة نظام ديكتاتوري أضفى عليه هالة من الاستقلالية الكاذبة.

مشكلة الرئيس مرسي كانت تكمن في صدقه وصراحته التي تجلت في الكثير من الخطب التي ألقاها كثائر وليس كسياسي ورئيس دولة فتفوه بما لا يجب أن يقول، ربما كان دافعه إلى ذلك إيمانه بشعبه وثقته بانتصار الثورة الحتمي، فقد وصل الرجل إلى سدة الحكم حاملا معه الكثير من الآمال العراض والخطط والمشاريع الطموحة التي لو قدر له تنفيذها لغير وجه مصر لعقود قادمة، لكن هذا التغيير كان يحتاج لقاعدة جماهيرية ومؤسساتية صلبة لم تكن متوفرة له، فمعظم مؤسسات الدولة كانت لا تزال جزءا من الدولة العميقة وتعمل ليل نهار للإطاحة به.

الاحتجاجات على حكم مرسي بدأت حتى قبل تسلمه الحكم، وذلك من خلال حملة إعلامية منظمة رعتها ومولتها دول ورجال أعمال وكنائس حيث تميزت الحملة بمخاطبتها لعقول البسطاء وبالطريقة التي يفهمونها فاشتملت على الكوميديا تارة وعلى وصلات من الردح والشخير تارة أخرى، أما الهدف فكان شيطنة الحكم الذي أفرزته الثورة.

ربما يعود الفضل الأول والأكبر في هذه الحملة للساخر باسم يوسف الذي سخر من مرسي حتى النخاع، لكنه لم يجرؤ على انتقاد السيسي ولو بكلمة واحدة، ليتم إيقاف برنامجه بعد أن تحصَّل على مبلغ مالي ضخم نتيجة فسخ قناة إم بي سي لعقدها معه بعد نجاح الانقلاب، أما عمرو أديب وزوجه لميس الحديدي فقد كانا أوقح من الوقاحة نفسها، وكذلك كان توفيق عكاشة ولا يزال، ولا ننسى أحمد موسى الذي شخر في أحد برامجه قائلا "أحا ده مندوب مصر في الأمم المتحدة إخواني" وكأن الإخواني يهودي أو مخلوق من كوكب آخر لا يحق له أن يمثل مصر دوليا، وكذلك رولا خرسا ومصطفى بكري وعمرو مصطفى، وباقي الجوقة من المحسوبين على الإعلام والفن من الممثلين الذين برعوا في التمثيل على شعوبنا لعقود كإلهام شاهين ويسرا وعادل إمام ومحمد صبحي وغادة عبد الرازق والراقصة سما المصري.

هل دار في خلد الرئيس مرسي أن حرصه على حرية التعبير وسماحه لبضع عشرات من المحتجين بنصب خيام في ميدان التحرير ستكون هي المسمار الذي دق في نعش الثورة المصرية؟ وأنها ستنتج انقلابا سيحكم عليه لاحقا بالإعدام؟ هل علم أنصاره أنهم وبتخليهم عن ميدان التحرير ونصب خيامهم في رابعة قد أعطوا الانقلابيين أهم أدوات انقلابهم؟

هل علم المصريون أنهم اليوم يدفعون ثمن عدم ممارستهم للشرعية الثورية واجتثاث رموز الدولة العميقة التي نجحت بالانقلاب على الثورة والاستيلاء على الحكم مجددا، لتقوم هي بعمليات تصفية ميدانية لكل رافضي الانقلاب من ناشطين ميدانيين وثوريين وأطباء وحقوقيين وسياسيين، بعد أن سجنت وقتلت عشرات الألوف منهم. وما فتوى علي جمعة بالقتل عنا ببعيد.

لقد كانت الخيام التي نصبت في ميدان التحرير هي كل ما يحتاجه الانقلاب بانتظار ساعة الصفر، حيث نجحت 6 مليارات دولار من المال الفاسد في دفع أجور البسطاء، ومعهم البلطجية والعاطلين عن العمل وأنصار الفلول وعشرات الألوف من عناصر الأمن والجيش، والأهم شراء ذمم السياسيين وجوقة الإعلام الأصفر التي لو تم اجتثاثها أو تحييدها لما استطاعت شيطنة الثورة المصرية ولما نجحت في تنصيب فِرعَون جديد يقال إن أمه من نسل يهود.

في الذكرى الخامسة لثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون، سيتعين على المصريين أن يصححوا خطأهم، وأن يعيدوا الأمور إلى نصابها، ولا يكون ذلك إلا باستكمال ثورتهم التي سرقها منهم العسكر، فمصر تستحق أفضل بكثير من فرعون صغير وبعض من السحرة والمومياوات التي أكل عليها الدهر وشرب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.