المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خليفة حداد Headshot

العرب يتوعدون داعش ليبيا.. بين منابر الخطب وحدود الواقع

تم النشر: تم التحديث:

في "عفطة" تذكرنا بعفطات سابقة لجامعة الدول العربية، أوصى الاجتماع التشاوري للمندوبين الدائمين، المنعقد يوم أمس بالقاهرة، بـ"بوضع استراتيجية لمساعدة ليبيا عسكريًّا في مواجهة تنظيم داعش".. معجم تقليدي عائم ومعتاد في البيانات الختامية لاجتماعات وقمم الجامعة.. لا تفاصيل محددة ولا تكليفات ولا حديث عمن سيتحمل الكلفة الباهظة لأي تدخل مفترض في ليبيا ولا حملات ترويج للقرار لدى الفاعلين الدوليين والإقليميين، وهم أصحاب اليد العليا الذين لا تنجح أي مبادرة دون غطاء سياسي منهم على الأقل.

كل المؤشرات المبنية على المشهد الليبي المحكوم بالفرقة والتنازع والتشظي والوضعيات الداخلية الهشة التي تعيشها البلدان العربية المفترض مشاركتها في الهجوم على "داعش ليبيا"، وكل الارتباطات والالتزامات الدولية والإقليمية لدول الجوار، وكل أمثلة "التدخل العربي" السابقة تنبئ أن قرار الأمس وتوصياته لن يجد طريقه إلى التفعيل إلا في شكل عمل استعراضي محدود جدًّا في الزمان والمكان من شأنه أن يفاقم من خلط الأوراق وقد يعطي لداعش ومن على نهجها فرصا ثمينة للبقاء والتمدد.

عن أي ليبيا يتحدثون؟
يصعب الحديث عن تدخل عسكري عربي في "المستنقع" الليبي دون ترتيبات مع الفاعلين العسكريين والسياسيين على الأرض.. ترتيبات تبدو مستحيلة في ظل المشهد الحالي المحكوم بالعداوة والفرقة والتنازع عسكريًّا وسياسيًّا وقبليًّا ومناطقيًّا، وحتى عرقيًّا. فليبيا اليوم ليست كيانًا موحدًا في تعاطيه مع شأنه الداخلي أو في علاقاته الإقليمية والدولية.. فالحكومة المؤقتة التي تتخذ من البيضاء مستقرًا لها وبرلمانها الذي تأويه طبرق، وإن اعترف بهما دوليًّا، غير أن هذا الاعتراف لم يتمكنا من ترجمته إلى تمثيل حقيقي للدولة الليبية التي لا يملكان من جغرافيتها الممتدة غير النزر اليسير. وحتى النزر اليسير مهدد بالتفكك بفعل التحالفات القبلية الهشة وبسبب مراوحة عملية "الكرامة" مكانها، منذ أكثر من عام، دون تحقيق نتائج عسكرية تذكر غير تحويل مدينة بنغازي إلى مشهد مخيف من الأحياء التي هدمتها قذائف المتقاتلين، وهو الأمر الذي يجعل أي مدينة أخرى تحسب ألف مرة قبل أن تكون لها "كرامتها".. وعلى الضفة الأخرى من الجغرافيا الليبية حكومة إنقاذ وطني متمترسة في طرابلس، لم تتمكن من التخلص من "تهمة" الارتباط الفعلي أو المعنوي بالمتشددين، كما لم تتمكن من نزع اعتراف دولي بها ما عدا علاقات عامة مع فاعلين إقليميين ودوليين لا ترقى إلى مستوى الاعتراف.. حكومة، وإن تمكنت إلى حد الآن من الحفاظ على شيء من الوحدة المناطقية، فإن هذه الوحدة مهددة بفعل المصالحات القبلية والمناطقية التي تجريها المدن والقبائل خارج "خيمة" حكومة الانقاذ..

بالمحصلة.. مشهد ليبي مفكك ومتناقض ومحكوم بالعداوات، يصعب فيه الحديث عن "تدخل عسكري عربي ناجح"، خاصة إذا عرفنا أن الدول التي يعول على تدخلها منحازة سياسيًّا وميدانيًّا إلى طرف دون الآخر، وقد يقرأ أي تدخل على أنه لدعم طرف، وهو الحكومة المؤقتة، ضد خصومها، وهم حكومة الإنقاذ ومؤتمرها وكتائبها العسكرية.. وفي هذه الأجواء ليس أمام "التدخل العربي" غير خيارات ثلاثة: إما ضربات جوية استعراضية محدودة زمانًا ومكانًا لا تضر بالقاعدة الصلبة للإرهاب الممتد والمتشعب تشعب الأزمة الليبية، أو ضربات جوية متواصلة وعلى مدى طويل وتشمل مناطق مختلفة من الجغرافيا الليبية، وهذا سيناريو مستبعد لأسباب سيأتي شرحها، أو تدخل بري وسيطرة على الأرض، وهذا برأينا سيناريو مستحيل نظرًا لكلفته البشرية التي قد لا تقف عند عدد..

مصر: حليف "متحمس"، وجيشه غارق
تعد الجارة مصر، ونظام رئيسها السيسي، من أكثر الأطراف الإقليمية حماسا للتدخل في الجغرافيا الليبية وتعديل كفة الصراع العسكري والسياسي الجاري هناك.. ولم يفوّت المسؤولون المصريون أي مناسبة للتعبير عن دعمهم للحكومة المؤقتة التي يترأسها عبد الله الثني. كما تجد مصر حلفاء كثر ضمن النخبة السياسية والعسكرية المحسوبة على الحكومة المؤقتة و"معسكر الكرامة".. ولعل الحدود الطويلة بين البلدين ووشائج القربى التاريخية بين الشرق الليبي والغرب المصري والمواقف المتماهية من الطرفين تجاه التيار الإسلامي السياسي وحتى بعض "المطامع" الراسخة في اللاوعي المصري تجاه الشرق الليبي كلها عوامل يمكن أن تفسر الحماس المصري للتدخل في ليبيا.. وقد سبق للقوات الجوية المصرية أن شنت غارات على مواقع محسوبة على "فجر ليبيا" في طرابلس في أوج الصراع بين الفريقين الليبيين منذ سنة، إضافة إلى توجيه ضربات إلى مواقع في مدينة درنة قالت إنها لإسلاميين متشددين وقالت مصادر محلية أنها أصابت محلات سكنية.

لكن السؤال الذي يطرح في مثل هذه الحالة: هل يمكن لمصر أن تترجم تعهداتها وحماسها إلى عمل عسكري ميداني؟ وهل تمتلك الآليات لذلك؟

يصعب التكهن بما يدور في رؤوس النخبة الحاكمة في القاهرة، غير أن قراءة موضوعية لمجريات الوضع المصري المتفاقم وحالة الانفلات الأمني التي تعيشها عدد من المحافظات والاحتقان السياسي الذي لم يستطع نظام الحكم تخفيفه مضاف إليهما المصاعب الاقتصادية الخانقة، كلها عوامل تجعل من "المهمة" المصرية في ليبيا أمنية يصعب تحقيقها.. فالجيش، الذي يعول عليه لإنجاز هذه المهمة، غارق في سيناء ويخوض حرب استنزاف صعبة ضد مجموعات متشددة تمكنت في أكثر من مناسبة من تحقيق اختراقات وصلت حد السيطرة على مدن ومقرات عسكرية.. وأقصى ما يمكن أن يقدم عليه الجيش المصري تنفيذ غارات خاطفة على غرار ما جرى في طرابلس ودرنة في مناسبات سابقة، وهي عمليات لن يكون لها تأثير يذكر على البنية الصلبة لداعش والتنظيمات التي على شاكلته.

السعودية: المستنقع اليمني يكفي
تعيش المملكة السعودية وضعًا صعبًا على جميع الأصعدة، أمنيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا وحتى طائفيًّا. فالمملكة، التي استسهلت الانسياق إلى الحرب الأهلية اليمنية، لم يدر بخلد مسؤوليها أنهم يدخلون مستنقعًا يصعب الخروج منه دون أضرار ستظل المملكة تدفع كلفتها لعقود قادمة، هذا إذا افترضنا أن السعودية ستظل جغرافيًّا وسياسيًّا كما هي اليوم.. السعودية، اليوم، بفعل تهاوي أسعار النفط وتدخلها غير المحسوب في اليمن، دولة على حافة الإفلاس بإجماع تقارير غربية متواترة، زيادة على تصدع الجبهة الداخلية بفعل حراك المكونات الاجتماعية والطائفية التي ترجمت في سلسلة من التفجيرات وأعمال العنف التي أودت بالمئات منذ تدخلها في اليمن لصالح فريق ضد آخر، مضافًا إلى ذلك "التحولات" التي تعرفها السياسية السعودية والتي نأت بمقتضاها عن الحلف المصري الإماراتي مقابل تطبيع غير معلن مع المحور القطري التركي.. السعودية، في وضعها الراهن والمرشح للأسوأ، لا يمكنها أن تضيف جبهة جديدة لجبهاتها المفتوحة. وأقصى ما يمكن أن تفعله إعلان التأييد والدعم لعملية جوية استعراضية محدودة.

الإمارات: المال وحده لا يكفي
تعوّل الإمارات العربية المتحدة على نفوذها المالي لفرض رؤيتها في الدول المصنفة على "الربيع العربي" وإيجاد موطئ قدم داخل النخب السياسية والعسكرية. ومن المتوقع أن تكون الإمارات من الدول المتحمسة لتدخل عسكري في ليبيا، بهدف ترجيح كفة حلفائها من المحسوبين على "معسكر الكرامة" مقابل حلفاء قطر المحسوبين على "معسكر فجر ليبيا". ونظرًا لمحدودية البنية البشرية لهذه الدولة، فإن أغلب تدخلاتها في الدول الأخرى تعتمد على أذرعها المالية باستثناء مشاركتها المحدودة في القصف الذي تعرضت له مواقع بمحيط طرابلس منذ سنة.. الضخ المالي واللوجستي الإماراتي الواقع منذ مدة لم يحدث تأثيرا جذريًّا في الخارطة العسكرية الليبية التي تراوح مكانها بلا غالب ولا مغلوب، ومن غير المتوقع أن يحدث الفارق في أي تدخل قادم.

الجزائر: الرقم الصعب.. المتحفظ
تظل الجزائر، بثقلها الإقليمي العسكري والاقتصادي والديمغرافي والتاريخي، رقمًا صعبًا، يستحيل، واقعيًا، تجاوزه في أي "طبخة" تخص ليبيا الواقعة على حدودها الجنوبية.. موقف الجزائر، منذ اندلاع ثورة فبراير، ثم خلال الاقتتال الليبي الليبي، ظل موقفًا "خاصًّا" يحسب خطواته بدقة متناهية. فمن ناحية لا ترغب الجزائر في دور مؤثر للإسلاميين في ليبيا مقابل توجسها من الطرف الآخر بسبب علاقاته مع مصر وتماهيه مع مشروعها الإقليمي.. الجزائر تدرك جيدًا أن أي تدخل عسكري عربي في ليبيا لن يكون عملًا خيريًّا لوجه الله ولا لوجه الليبيين، بل سيكون فرصة لكسب مواقع جديدة للمتدخلين في الساحة السياسية الليبية.. ضعف ثقة الجزائر في النخب الليبية الحالية، إضافة إلى معارضتها غير المعلنة للدور المغربي، تجعل عدم مشاركتها في أي تدخل أمرًا من تحصيل حاصل، هذا إذا لم تعارضه بقوة.

تونس: سياسة المشي على حبل دقيق
تعتبر تونس من أكثر دول الجوار الإقليمي تأثر بمجريات الصراع الليبي، غير أن أداء دبلوماسيتها يظل دون مستوى التحديات بكثير، فالتصريحات غير الموفقة لوزير الخارجية ورئيس الجمهورية ألحقت ضررًا بالغًا بالعلاقات مع الجار الجنوبي.. انخراط تونس في المشاريع الدولية والإقليمية المتعلقة بالشأن الليبي ظهرت من خلال توقيعها على مذكرة تفاهم مع حلف الناتو تعتبر بمقتضاها تونس حليفًا من خارج الحلف وما تبع ذلك من تسريبات عن تسهيلات عسكرية للقوات الأمريكية في أكثر من موقع في تونس.. لا شك أن هذه التفاصيل تصب في مجرى التوقي لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في ليبيا، غير أن الحديث عن مشاركة تونسية مباشرة في أي تدخل عسكري عربي يبدو غير وجيه في ظل المصاعب الاقتصادية والأمنية التي تمر بها البلاد إضافة إلى المزاج الشعبي الرافض لمثل هذا التدخل خوفا من تداعياته السلبية.. استبعاد المشاركة التونسية المباشرة في أي تدخل عربي لا ينفي أن تونس قد تمنح تسهيلات برية وبحرية وجوية للمشاركين الآخرين في حال حاجتهم إلى ذلك.

بناء على هذه التفاصيل والمؤشرات، يبدو أمر التدخل العسكري العربي المباشر في ليبيا لمحاربة داعش محاط بكثير من الغموض وعوامل الشك والريبة المبنية على سوابق في قضايا أخرى وعلى متناقضات المشهد الليبي وعلى عوامل الضعف والهشاشة التي تكبح اندفاع أي نظام عربي يفكر في دفع جنوده إلى "المحرقة الليبية".. من المستبعد أن يتم هذا التدخل، وإن حدث سيكون استعراضيًّا ومحدودًا في الزمان والمكان ولن يحقق أهدافه.. وما على الليبيين سوى التعويل على أنفسهم عبر "توافق ضرورة" يؤجل المعارك الأخرى ويتفرغ للقضاء على العدو المشترك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع