المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد زكريا  Headshot

كالفن وروبي.. غزو للنفس البشرية

تم النشر: تم التحديث:

تدوينة: خالد زكريا

روبي سباركس هو فيلم أميركي من إنتاج عام 2012، يتحدث عن كاتب صدرت له رواية وهو في سن التاسعة عشرة، رواية كانت بداية رائعة لمشواره الأدبي، لكن آلة الإلهام لديه تعطلت ولم يستطِع تأليف رواية بعدها، كما أنه انطوائي بلا أصدقاء إلا شقيقه، ولا يملك رفيقة تكون مصدر إلهامه.

في أحلامه تراوده ذكرى فتاة تكون هي مصدر إلهام لروايته الجديدة، فتاة حرة منطلقة مشاغبة، يبدأ في كتابة روايته ليلَ نهار، يعيش مع أحداثها وتفاصيلها كل وقته؛ ليستيقظ في يوم ما ليجدها في بيته بملابسها الداخلية في مطبخه تعد الإفطار، هي بنفس شكلها الذي تخيله، حتى بنفس الاسم روبي سباركس.

لا يصدق نفسه ويظن أنه مصاب بانفصام الشخصية والهلوسة، لكنه عندما يتأكد أن الناس تراها وتسمعها يعرف أنها حقيقة وليس خيالاً أو شبحاً، وبعد حديث قصير مع أخيه حولها يقترح عليه فكرة أن يكتب صفاتها عبر روايته فهو خالقها، يجرب أن يكتب في الرواية أن روبي تتقن الفرنسية، فيتفاجأ بصوتها في المطبخ يصدح بأغنية فرنسية، تيقن وقتها أنه هو المتحكم بها، وأنه يستطيع أن يخلق صفاتها النفسية والجسدية كيفما أراد، فيقرر أن يتوقف عن الكتابة عنها؛ لأنه يحبها كما هي بصفاتها التي شكلها هو بآلته الكاتبة عبر خياله عن فتاة أحلامه.

تجري الأيام صافية تغمرها السعادة والفرح، ومع الأيام يظهر الجانب الآخر لكل شخص فينا، الجانب الإنساني العادي، التناقضات بين البشر واختلاف الأذواق والأمزجة، فهي منطلقة وهو انطوائي منعزل، هي اجتماعية تحب مخالطة الناس وهو على النقيض منها.

في حديقة والدته وسط عائلته تتفاعل هي معهم وتنسجم وهو بعيد عنهم ينطوي مع رواية ما يقرأها، بعد العودة من الإجازة تقرر الفتاة أن هناك اختلافات بينهما، وأنهما يجب أن يصبرا بعض الوقت، وتقرر أن تقضي يوماً من كل أسبوع في بيتها بعيداً عنه لتكون هناك مساحة خصوصية لكل منهما، هو حزين لهذا الأمر، ولا يستطيع تحمّل بعدها عنه، لا يستطيع النوم وهي ليست بجواره، تذهب لتعلم الرسم الذي تحبه في مكان ما وتسهر مع أصدقائها وهو لا يطيق أن تبعد عن ناظريه لثوانٍ، لديه رعب من أن تهجره، فمع قدرته الأدبية لا يجد ثقة في نفسه، فيقرر أن يخالف الشرط الذي وضعه على نفسه منذ أن عرف أنه من كتبها بيدَيه.

يرجع للكتابة عنها مرة أخرى على آلته الكاتبة وفي روايته عنها، يكتب أنها تفتقد (كالفن) -وهو اسمه في الرواية- وهو يعلم أنها سوف تأتي له باكية ترجو الوصل، بعدما انتهى من كتابة عبارته رنّ هاتفه ليأتي صوتها طالباً العودة للبيت، يكتب مرة أخرى أنها سعيدة فيراها تضحك بدون سبب، مشاعر زائفة وهو أكثر مَن يعلم ذلك، يكتب أنها عادت لطبيعتها، فترجع لصفاتها القديمة وتمردها الذي عشقه فيها من البداية.

يذهب لحفلة صديق فيستشيط غضباً عندما يجدها تُهم بنزول المسبح مع صديق ما في الحفلة، وعند رجوعهما للبيت يُعلِمها الحقيقة التي لا تعرف عنها شيئاً، يُعلِمها أنه يتحكم فيها، وأنه يستطيع أن يجعلها تفعل ما يريده، فهو خلقها عبر آلته الكاتبة، يكتب أمامها في الرواية على آلته الكاتبة أنها تتحدث الفرنسية فتتحدث، يكتب أنها تقفز من السعادة فتقفز، يجعلها تقلد الكلب فتفعل، يتحكم في صفاتها فتنهار أمامه باكيةً وتجري لغرفتها وتغلق على نفسها الباب.

هنا تتجلى أمامه الحقيقة، يشعر بكم من الغضب والتعاسة في نفس الوقت، يعلم كم الزيف الذي خلقه بنقراته على الآلة، يعلم أنه يجب أن يحبها كما هي، وأن إجبارها لتكون صنيعته لن يجلب له الرضا والسكينة، فيقرر في نهاية الرواية أن يترك لها الحرية تفعل ما تشاء، يفك قيدها عبر آلته الكاتبة، فيكتب: "روبي أنت حرة".

الفيلم يتناول قضايا عدة، منها مشكلة الكاتب مع الإبداع والخيال، مشكلة المشاعر الزائفة التي كثيراً ما نشاهدها فيمن حولنا ونكون فرحين بها رغم علمنا المسبق بكذبها، وأنها مجرد قشرة ومظهر لا جوهر، أما القضية الجوهرية بالفيلم فهي قبول الناس كما هُم بحلوهم ومُرّهم، لا يوجد شكل كامل في الحياة، مَن تعشقه كما فيه صفات تعجبك تيقن أنك ستجد أخرى لا ترضيك، اشترِ الصندوق بطيب ثمره وسيئه، كل صفة جميلة أعجبتك قد تجد فيها نزعةً ما لا تعجبك، فصفة الحرية والانطلاق تجد معها نزعة الاعتزاز بالذات وكره التقييد والشعور بأن هناك مَن يتملك، صفة الروح الضاحكة المستبشرة ستجد معها اللامبالاة بمصاعب الحياة أحياناً والغوص في بحار الخيال والحلم، كل صفة كما لها جانب مضيء ستجد لها جانباً آخر ليس بجمال الجانب الأول.

يتناول الفيلم قضية التحكم الذكوري في الأنثى، وميله للسيطرة على حياتها بلا مساحة حرية، هناك بعض الذكور يميلون لخنق الأنثى وسحق ذاتها الشخصية، وقد يكون يعلم منذ بداية علاقته بها أنها لا تحب ذلك، مهما يكن الحب بين الطرفين فلكل شخص ذاته، العمل على خنقها قد يقتل الحب ذاته مع مرور الأيام، فمن الممارسات القريبة من هذا الأمر أنه عندما يتعارف اثنان تكون -أحياناً- من طقوس هذا الأمر أن يتعرف الذكر على كلمات سر حساباتها الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، على الرغم من أن هذا التصرف يوحي بعدم الثقة، لكنه في الوقت ذاته يشير للتحكم الذكوري، هناك فارق بين الغيرة وحب التملك، وهي صفة فطرية، وبين التمادي في هذه الصفات الذي يقتل الطرف الآخر معنوياً ويمحق شخصيته، بل قد يقتل الصفات التي تحبها في هذا الشخص.

ويطرح الفيلم فكرة فلسفية مفادها: ماذا لو أتيحت لنا التحكم في صفات من نحب؟ هل سنظل نتلاعب بها كل يوم حسب أهوائنا؟ أم سنكتفي بالشكل الأول الذي خلقناه بها؟ فالإنسان طبيعته البشرية جُبلت على الملل من التكرار، فلو سطرت في كتاب خلق رفيقك وصفته وبعد فترة مللتها هل تحترم ما كتبته قبلاً أم ستغيره؟ وينطبق هذا على الصفات الجسدية كذلك، فحتى شقيق كاتب الرواية طلب منه أن يغير من شكل صديقته روبي، أن يجعلها أكثر فتنةً وجمالاً.

وهذا ينقلنا لنقطة أخرى من صفات البشر وهي استحالة ثبات النفس البشرية على قانون ما، وهذا ما يجعلني أحياناً أقف أمام العلوم الإنسانية والاجتماعية عندما يضع بعض علمائها قوانين ثابتة للحياة، والأمر لا أظنه كذلك، فمن الممكن أن صفة بسيطة تغير كل شيء، حتى في العلوم السياسية ممن الممكن أن تكون كل المؤشرات تؤدي لشيء واحد، ومع تغيير بسيط في نفس مسؤول ما أو معلومة صغيرة في يد أحد ما قد تغير كل شيء، فالعلوم الإنسانية مساحة اليقين فيها صغيرة للغاية.

الأفلام التي تحمل قيماً إنسانية تكون قيّمة وللأسف بعضها لا يحالفه التوفيق، فهذا الفيلم مثلاً مكاسبه لم تتعدّ 8 ملايين دولار، على الرغم من عظمة التلميحات غير المباشرة به، وهذا ما يميز الأدب والفن بكل أوجهه، والجميل في هذا الفيلم أن كاتبة الفيلم -زوي كازان- هي الممثلة الرئيسية -روبي سباركس- به، وهذا قد يفسر تناغم البطلة مع الدور وشعورها المفعم به، فأحسن مَن يشعر بالشيء هو كاتبه، كما أحسن مَن يلقي الشعر هو مؤلفه إذا أتقن فنَّ الإلقاء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.