المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد يوسف Headshot

الشيطان الأكبر يعظ

تم النشر: تم التحديث:

تتلمذت علي يد رجل مسكون بالحلم الأمريكى وهو المخرج يوسف شاهين وكانت تلك أكبر خلافاتي معه وكنت أدرك أن زمان ومكان النشأتين يمثلان حجر الزاوية في هذا الاختلاف فهو ينتمي لجيل قد سيطر على عقله هذا الحلم حول العالم، ناهيك عن نشأته بمدينة الإسكندرية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الفائت وهي آنذاك النموذج الحقيقي للمجتمع الكوزموبوليتان الذي يتعايش فيه جميع الجنسيات والديانات، فعرف المعنى الحقيقي للتسامح والقبول المذهل للآخر أما أنا فقد تفتح أفقي وإدراكي في بداية السبعينيات، بينما كانت الأرض محتلة تنزف دماً، فيما ترفرف أرواح شهدائنا في سماء كل قرية وداخل كل حي في طول مصر وعرضها. 
عشت طفولة كانت تسيطر عليها فكرة الحرب والأخذ بالثأر من العدو الصهويني ومن ورائه الشيطان الأكبر القابع هناك على الضفة الأخرى من المحيط الأطلنطي, فلم يكن لدى جيلي هذا القدر من التسامح وقبول الآخر ولم نكن قطعاً مسكونين بالحلم الأمريكي، وكان نقاشنا (الأستاذ وأنا) يحتدم عندما كان يحاول أن يقنعني بأنه يجب التفريق بين الأمريكان وإسهامهم الحضاري متضمناً حجم الإنجاز العلمي والتكنولوجي والثقافي والفني الذي أسهم في تقدم البشرية وبين سياسات أمريكية تقبع في قاع بئر سحيق من ظلم العصور الوسطى وكان ردي الدائم أن هذا  مايجعلني أكثر حنقاً على الأمريكان لأن ذلك بالذات ما يجعلهم مؤهلين لسلوك منهج سياسي آخر أكثر إنسانية وأكثر نفعاً للبشر، خاصة وهم يختارون قادتهم بمنتهى الحرية والديمقراطية فهم مسئولون عما يقترفه قادتهم من ظلم لشعوبنا النامية، ومات يوسف شاهين دون أن أتمكن من إقناعه بأن أمريكا هي الشيطان الأكبر، ودون أن يقنعني بأنها قائدة العالم الحر.

مات شاهين دون أن يرى قائدة العالم الحر تقود العالم إلى الحرية بل قادته إلى كل أشكال الاستبداد والظلم والعبوديه فلا يوجد حاكم مستبد في العالم إلا وقد صنعته وأيدته قائدة العالم الحر.

لم يوجد قمع حريات في أي دولة في العالم إلا وقد ساهمت فيه ودعمته أم الديمقراطيات.

لم تشهد أي دولة في العالم انتهاكا لحقوق الإنسان إلا وقد تسببت فيه بلد حقوق الانسان، دعماً مباشراً أو تواطؤاً أو تجاهلا.

لم ينشأ في العالم تنظيم إرهابي إلا وقد وقفت وراءه أمريكا بكل أسلحتها واستخباراتها لتحارب به أعداء مصالحها.

فقائدة العالم الحر لا تحركها إلا مصالحها، ولو صنعت في سبيل ذلك ألف دكتاتور ، وأنشأت ألف كيان إرهابي، وسحقت ملايين البشر لو تطلب الأمر, فلا صوت يعلو فوق المصالح الامريكية وكأن لا شعب يستحق الحياه سوى الشعب الأمريكي.

فأم الحريات لا تعلن غضبها على ديكتاتور إلا عندما يبدأ في التمرد على أوامرها أو يخرج عن حدود سيطرتها ولا تبدأ في حرب كيان إرهابى صنعته بأيديها إلا عندما يمارس إرهاباً على أراضيها أو ضد مواطنيها، ولا تتحرك مشاعرها الرقيقة انتصاراً لحقوق الإنسان إلا بحسب جنسية الضحايا فتهب ضمائرها فجأة إذا كان الضحايا من دول تربطها بها مصالح قصوى، وتغوص الضمائر بعدها في سبات عميق إذا كان الضحايا من شعوب لا قيمة لها أو لدولها.

فلا يهم لو ماتت كل شعوب الأرض لتحيا المصالح الأمريكية, ولا يهم لو مات كل أطفال ونساء فلسطين إن كان وجودهم، مجرد وجودهم سينغص حياة شعب الله المختار في إسرائيل ولا يهم لو مات كل مسلمي بورما، طالما أن التدخل لإنقاذهم لن يعود على أمريكا بمصلحة مباشرة, ولا يهم لو مات اثنا مليون طفل في العراق تحت حصارها الغاشم طالما أنها تضمن مستقبل تدفق البترول إلى أراضيها، ولا يهم أن تضع يدها في يد الإخوان الإرهابيين في مصر طالما أنهم سيحققون لها مصالحها ويمنحونها سيناء هدية لإسرائيل تخطط لتطرد إليها الفلسطينين فكيف لها ألا تكون شيطانا أكبر.؟

اقرؤوا التاريخ يا سادة قبل أن تصفوها بقائدة العالم الحر فأمريكا هي من أوجدت كل التنظيمات الإرهابية في العالم والتي تسببت في مقتل ملايين الأبرياء.

فلا مانع أن تصنع أمريكا تنظيم القاعدة وتنشئه من عدم وتموله بالأسلحة والأموال ليحارب عدوها اللدود الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ثم تحاربه فيما بعد عندما انقلب السحر على الساحر وبدأ يمارس إرهاباً على أراضيها في 11 سبتمبر, ولا مانع أن تنشئ أمريكا تنظيم داعش الإرهابي وتموله بالأسلحة والأموال لتقسيم الشرق الوسط وتفتيت الدول العربية، ثم تحاربه فيما بعد عندما بدأ في اصطياد مواطنيها ورعاياها بشرط أن تكون حرباً خفيفة كي تحافظ على بقائه أكبر وقت ممكن كي يمنع هذه الشعوب من أن تستفيق وتبحث عن حقوقها وسيادتها وتسأل أين يذهب بترولها ولماذا تقبع ثرواتها في بنوك أمريكية تدعم اقتصادها بينما هم يعيشون في شظف العيش .

سبع سنوات مرت على رحيل يوسف شاهين مات دون أن يرى ما فعلته قائدة العالم الحر بنا.

لم ير كيف قفز عدد اللاجئيين والمشردين في وطننا العربي إلى عشرات من الملايين، وطالت الهجرة شعوباً أخرى غير الفلسطينيين.

لم يشهد كيف دمرت أمريكا أحلام شعوب المنطقة فلم يكفها دعم استبداد أنظمة الحكم لعشرات السنوات ورعايتها لظلم هذه الشعوب ولكنها عادت واستكثرت عليها أن تحلم بوطن الحرية والعيش الكريم فتدخلت في مسار نهر الثوارت العربية لتحول دون أن يصل للمصب أو عل الأقل لتحد من تدفقه وجريانه برمي الصخور الصناعية فيه من تغذية للتعصب والطائفية والعنف ودعم الحركات الإرهابية، لم ير الأوطان العربية، وقد قسمت أو هي في طريقها للتقسيم.

لم ير الشعوب العربية تقاتل نفسها..

لم ير الدماء والعنف يكسوان المشهد بالكامل..

لم ير الأوطان العربيه وقد تحولت لساحة حرب فقط لتحيا المصالح الأمريكية, وحين نجح مسعاها في كل هذه الدول وأخفق في دولة وحيدة وهي مصر وتكسرت المؤامرة الأمريكية على صخرة العبقرية المصرية ومن خلفه الجيش المصري، فهب ضمير قائدة العالم الحر من موته السحيق فجأه ليكتشف على حين غفله أن ثمة ديمقراطية وحقوق إنسان تنتهك في مصر.

مات أستاذي دون أن يخبرني أين كان الضمير الأمريكي طوال أكثر من أربعين عاماً انتهكت خلالها الديمقراطية وحقوق الإنسان حتى فنت..؟

مات أستاذى دون أن يخبرني لماذا يخصنا الأمريكان وحدنا بشهامتهم وحرصهم على التحول الديمقراطي..؟

لماذا لم يخصوا شعوباً أخرى بجيوش جرارة مثل التي جاءت للعراق لتحررها من الطاغية..؟

لماذا لا تلعب المؤسسات الأمريكية بأجهزة مخابراتها بهذه الكثافة وتلك الحيوية إلا في بلادنا..؟ مات أستاذي دون أن يخبرني كيف يستطيع الشيطان الأكبر أن يعظ.