المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد يسري  Headshot

مولانا إبراهيم عيسى

تم النشر: تم التحديث:

منذ أن شاهدت الإعلان التشويقي لفيلم مولانا للكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى اعتقدت في البداية أن الفيلم سيكون محوره قصة حياة شيخ أزهري يقتات من أموال الفضائيات وفقط، توقعت بالتأكيد أنه سيعيد طرح أفكاره التي دائماً يرددها في برامجه وكتاباته.

2017-01-13-1484346706-4625449-mawlana_200.jpg

في البداية دعني أبدي دهشتي من كميات الدعاية المبالغ فيها والموجودة بشكل واضح في شوارع القاهرة، وفي الفضائيات، وحتى على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد رأيت صور عمرو موسى وأبو الغار ونجيب ساويرس وعادل إمام منشورة كإعلانات ممولة أكثر من مرة على صفحة الفيسبوك الخاصة بي.

نبدأ مع الفيلم الذي سأحاول بكل ما أستطيع أن لا أظهر أي أحداث فيه بشكل يمنع القارئ من دخول الفيلم ومشاهدته.

نبدأ مع الشيء المميز في الفيلم، وهو الممثل العبقري عمرو سعد، الذي استطاع تجسيد دور الشيخ حاتم الشناوي بشكل فني أكثر من رائع، تفاصيل في الشكل وطريقة الكلام وتلاوة القرآن بشكل صحيح، وحتى حركات اليد قام بتجسيدها بشكل يشعرك أنك أمام شخصية حقيقية لشيخ من الشيوخ الذين يحب إبراهيم عيسى أن يطلق عليهم شيوخ التنوير.

المشكلة الرئيسية في الفيلم وهي محور الفيلم بالمناسبة، أنها عبارة عن مجموعة من الأفكار والآراء تم تجميعها، وبعدها تم بناء قصة سينمائية عليها، مجموعة كثيرة من الأفكار التي لها علاقة ببعض، والتي لا علاقة لها، تمت الإشارة إليها في الفيلم، وتسليط الضوء عليها بشكل جعل الفيلم يقال عنه إن المؤلف قام بلي ذراع السيناريو لكي يوصل الفكرة والرأي.

المشكلة ليست في الرأي بالتأكيد، ولكن في دراستي للسيناريو تعلمت أنه يمكنك إنتاج عمل فني به فكرة أو رأي، ولكن يجب أن يكون هناك قصة سينمائية في البداية تصلح للعرض بدون فكرتك، وليس إنتاج عمل فني يمكن تلخيصه في مقالة، فالسينما فن، والفن يجب أن يكون من أجل الفن والمتعة والإبهار، وليس من أجل محاضرات في الآراء والأفكار الهادفة.

لكي تعرف لماذا اعتبرت الفيلم محاضرة ثقافية مرئية تم إنتاجها في شكل فني سينمائي، ولكي تعلم لماذا شاهدت تململاً على وجوه المشاهدين في السينما، الذي وصل لحد النوم، دعني أعرض عليك بعضاً من الأفكار التي تم تناولها في الفيلم والإشارة لها: قصة الصحابية زينب بنت جحش وزواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم، رأي إبراهيم عيسى في الصحابي الجليل عثمان بن عفان وأنه طرد الصحابي أبا ذر الغفاري، فتوى إرضاع الكبير، الإسلام تحول للسياسة بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، المسيحية تحولت إلى سياسة عندما خرجت من بيت لحم، الصراع بين السلفية والصوفية، افتراء السلفية على الصوفية بأنهم قبوريون وأخطر على الإسلام من الشيعة، رأيه في أن النظام في مصر، وخاصة وزارة الداخلية، في تحالف مع السلفيين ضد الصوفيين.

رأي الشيخ أنه لا يؤمن أن المسلم يضمن أن يدخل الجنة، وأن المسيحي حتى لو مات على المسيحية لا يضمن أنه سيدخل النار، وأن القرآن يشمل كل الرسالات السماوية، فمعنى "إن الدين عند الله الإسلام"، يعني أنه "عند الله" يوم القيامة، أما في الدنيا فالديانات كلها تقول على نفسها إنها الدين الصحيح، وأن ميزان العدل المطلق عند الله، وأنه لا يجب الاعتقاد بكفر شخص لاختلاف دينه، علاقة السلطة بالدين، وأنه لا بد من وجود فزَّاعة ومشكلة للسلطة لكي تستمر في الحكم، العلاقة بين المسلمين والأقباط، تفجير الكنائس وأنه ليس عملاً فردياً لشخص إرهابي متردد في التفكير بل يقف وراءه جهات ترضى بتقسيم المجتمع لمسلمين وأقباط للاستمرار في الحكم، علاقة أهل السنة والجماعة بالشيعة.

ورأي الشيخ شلتوت في استثناء الشيخ شلتوت بجواز صلاة أهل السنة والجماعة مع فرقة الاثني عشرية، حادثة حرق رجل دين قيل إنه يدعو للتشيع، رأيه بأن السنة لم يتم تدوينها حتى وفاة الصحابي الجليل عمر بن الخطاب، وأن أبا هريرة لم يروِ أحاديث إلا وقتها، وأن بظهور تدوين الأحاديث ظهرت آلاف الأحاديث المضروبة والمكذوبة عن النبي صلى الله عليه وسلم، التشكيك في صحة كل أحاديث البخاري، وأن المسلمين أصبحوا يعبدون البخاري وليس الله، وأن البخاري لديه مئات وآلاف الأحاديث التي تحتاج لتدقيق، الدعوة صراحة إلى مذهب المعتزلة بأنه لخَّص مذهبهم في جملة واحدة أن "ربنا عرفوه بالعقل"؛ حيث قال لإحدى مريداته إن إعمال العقل هو تلخيص لكل مذهب المعتزلة، قضية التنصير والتبشير في مصر وطريقة الدولة في التعامل معها، قضية إسلام الفتيات المسيحيات في صعيد مصر، وأن الأسباب وراء إسلامهن اجتماعية وليست دينية بالأساس، الشيعة مسلمون اتبعوا قواعد الإسلام الخمس، وأنه يجب الدعوة إلى الاجتماع لا التفرقة.

رأيه بأن الإسلام إسلام ليس فيه سنة وشيعة، وأن التفرقة قضية سياسية وليست عقائدية، تهديد الشيخ بفضائح أخلاقية من قِبل وزارة الداخلية قامت بدفعها وتلفيقها له من أجل الضغط عليه؛ ليقوم بمساعدة الدولة في نشر آرائها السياسية، وأن المسلمين يجب أن يتوحدوا سنة وشيعة؛ لأن الإصلاح يكون بإصلاح ما بينهم قبل إصلاح صورة الإسلام الذي يتم وصفه بالإرهاب، في حين أن المسلمين منقسمون وبينهم خلافات وعصبيات تؤدي للقتل، وفي النهاية لم ينسَ إبراهيم عيسى كرهه لجمال مبارك، فظهرت شخصية اسمها جلال بشكل وهيئة وطريقة جمال مبارك متزوجة من فريدة، التي من عائلة رجل أعمال شهير له ابن، شخصيته جزء من قصة الفيلم، وتسعى الدولة الممثلة في الداخلية لإعداد جلال ليكون له دور رئيسي في الحكم، وأنه بالفعل الحاكم الفعلي الحالي، وترديد القصة التي تقول إنه كان في مصحة نفسية للعلاج من الإدمان.

كل هذه الأفكار جعلتني أشعر بأني أعيد قراءة كتاب إبراهيم عيسى أفكار مهددة بالقتل، الذي نشره سنة 1993، والذي هاجم فيه الشيخ الشعرواي ووصفه بالنفاق والاقتيات بالدين من أجل أموال البترودولار، أفكار وآراء تم مناظرتها والرد على كثير منها مراراً، آراء وأفكار بعضها مبني على روايات قد تكون غير صحيحة، فعلى سبيل المثال نحن نقرأ الآن عن التاريخ القريب الذي عاصرناه روايات متضاربة بشكل كامل فما بالنا بروايات مر عليها مئات السنين، فالكاتب يحاول بشكل مباشر في الفيلم سرد الرواية التاريخية للحدث من وجهة نظره لتوافق رأيه الشخصي مع عدم عرض الرأي المنافي لها، ولا أنكر في نهاية كلامي عن المحاضرة الثقافية -عفواً أقصد الفيلم- أنها بها مجموعة آراء أخرى يجب مناقشتها مع من يطرحها بحيث تصل للمشاهد بشكل عقلي منطقي يكون إيمانه به أقوى من أي شيء.

في النهاية ندمت على اختياري فيلم مولانا، وتمنيت لو طاوعت قلبي ودخلت فيلم "لا لا لاند" من أجل قضاء وقت ممتع يشعرني بالسعادة بدلاً من شعوري الحالي بأني كنت أشاهد إبراهيم عيسى على قناة القاهرة والناس.