المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد تحسين عسيري Headshot

ولا تنسَ نصيبك من الدنيا

تم النشر: تم التحديث:

أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلّم- قبل أكثر من 1400 سنة، أن أعمار أمَّته ما بين الستين والسبعين سنة، وتوفّي عن عمر يناهز الـ63 سنة، عاش فيها حياةً سيعلمها من كان قد قرأ سيرته، حياة جمعت ما بين فعل العبادات وأداء الفرائض والطاعات، وبين الحياة وما فيها من طيبات.

في فترة مضت ليست ببعيدة، بالمملكة العربية السعودية، ظهرت نداءات وتأسست جماعات ودارت صراعات تحثُّنا على فعل عكس ما كان من المفترض أن يكون، ألا وهو عيش حياة مسالمة وهادئة مليئة بالعبادات وملذات الحياة الطيبة التي أُحلت للمتقين بأمرٍ من رب العالمين، لم يعجبهم الأمر فقاموا بتفسير الحياة بما يناسب مزاجهم ويرضي هواهم ورغبتهم؛ لكي يستمتعوا بما يطلَق عليه السيطرة على حياة الناس وتحديد مسارها باعتقادهم أنها أسرع طريق إلى الجنة.

أقصد بهذا بعض الدعاة الذين يحتاجون بذاتهم إلى دعوة، وأقصد بعض رجالات الدين، وليس شرطاً أن يكونوا فقط مسلمين. كنت أعتقد أن محاربة الدنيا فقط عندنا كمسلمين، ولكن بعد أن لفت نظري الموضوعُ وبحثت فيه، وجدت أننا لا نختلف كثيراً عن باقي الأديان، سواء كانت سماوية أو غيرها، ما دام أغلب رجال الدين اتفقوا على هذا الشيء فاعلم أنه مجرد أمر بشري هدفه التحكم في الناس وحرمانهم ملذات الحياة؛ لأنه لو كان هنالك شيء اتفقت عليه جميع الأديان فهو ألا يتفقوا.

ولو قلنا إن هنالك أكثر من نقطة تشابه، فمن المفترض أنهم وصلوا إلى نقطة التقاء تُنهي جميع خلافاتهم. أنا هنا لا أتحدث عما هو الدين الصحيح، أو ما الدين الذي يجب أن يتبعه الناس أو لا يتبعونه، فنَص السورة في سورة "الكافرون" لا يخفى على أحد؛ عربياً كان أو أعجمياً.

مَن هم؟ ما الذي يقوم به هؤلاء الأشخاص؟ وما حججهم ودافعهم ورد فعل الناس حول ما يطرحونه؟

في فترة كانت أشبه ما تكون بظلمة أكثر من كون مسماها صحوة، ظهر فيها العديد من "الدعاة" الذين اعتقدوا أن هدفهم الأساسي هو إخراج الناس من الظلمات التي كانوا فيها -كما يعتقدون- إلى النور، ولعبوا دور المنقذ للغريق، وكأنّ هنالك غريقاً أساساً!

كان الناس يعيشون قبل هذه الفترة في انفتاح على العالم وفي اعتدال ديني ودنيوي، كانوا يعيشون حياة بسيطة خالية من مظاهر التعصُّب الديني أو الانحلال الأخلاقي! كانوا يعيشون حياة بين عبادات تتم في وقتها كما الساعة وحياة مدنية كما الدول الحضارية.

تحطمت هذه الحياة في فترة وجيزة، بدأ بعض هؤلاء الدعاة ومَن كان خلفهم بالتشديد في المسائل الفقهية والدنيوية، وبدأوا يصوّرونها على أنها أفعال شيطانية ولا تناسب المسلم، وبدأت سلسلة لا تنتهي من المصطلحات؛ مثل: "حرام" و"لا يجوز" و"كفر" و"خروج من الملة"، وكأن الفرد البسيط على شفا حفرة من الخروج عن الدين!

قاموا بتغليف كل ما يمكن تصوره بغلاف ديني؛ حتى يسهل عليهم التحكم فيه، ولا نختلف أن ركيزة الحياة هي الدين، ولكن لا يمكن أن يكون الدين وسيلةً لتحقيق الأهداف البشرية؛ صحيحة كانت أم خاطئة. وبسبب هذا التغليف، أصبح الرجوع إلى رجال الدين مطلباً في كل عمل؛ حتى لا يخرج الشخص عن دينه.

وبدأت تكثر الأسئلة عن الدين حتى أصبحوا يسألون عن الحلال حتى يفعلوه بدلاً عن الحرام حتى يتجنَّبوه، وكأنهم نسوا -أو بالأحرى لم يستوعبوا- القاعدة الفقهية التي تقول "الأصل في الخلق الإباحة إلا ما ورد نص بتحريمه"! وأصبحوا يعيشون في هذا الهاجس سنين طويلة، حججهم كانت قائمة على بابَين مشهورين، يعلمهما القاصي والدّاني؛ ألا وهما: "باب سد الذرائع"؛ لمنع ما لا يعجبهم وكأنهم أغلقوا باباً للشر والفتن! و"باب التشبه بالكفار"، وكأن كل الوسائل قد أتت من عندهم وأن لديهم بديلاً إسلامياً لكل شيء!

بابان كانا سبباً في تحريم كل شيء تقريباً، استمرت هذه السلسلة، ورافقها العديد من دموع التماسيح وبعض القصص الدرامية التي كانت تعزز أقوالهم وأحكامهم، وأغلبها ابتلاءات وأنواع من العقاب الإلهي التي كانت تصدر بحق من قام بفعل صدر فيه حكم محرّم عن طريقهم، منها التصوير والسينما والموسيقى والرسم والتلفاز، وحتى السيارات في بداية ظهورها، وأغلب مظاهر الحياة البسيطة.

استمر الحال قرابة الثلاثين سنة، وبسبب هذه الفترة انطمست هوية العديد من الأجيال التي عاصرت هذه الفترة، وتولَّد عند بعضهم الخوف من فعل أي شيء دون الرجوع إلى فتوى من عندهم، وحتى لو وصل بهم الأمر إلى التشكيك في بعض الفتاوى التي تصدر من الأزهر وكأنهم أصحاب العلم الوحيدون إلا من رحم الله!

بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، أدركت الحكومة حجم الخطر الذي سبَّبه الخطاب الديني المتشدد وبدأوا بمحاربته واستبداله بالخطاب المعتدل؛ في محاولة لتغيير التوجه الديني لدى العامة ومحو آثار الصحوة من عقول الناس.

وقد جنت الحكومة ثمار نجاح هذه الخطوة؛ ألا وهي غرس الوسطية والاعتدال في الناس، وازدياد الوعي لديهم، وأصبحوا لا يخضعون لما لا يقتنعون به وعادوا -كباراً وصغاراً- إلى ممارسة مظاهر الحياة التي ذكرناها سابقاً.

ما زالت الصحوة موجودة، ولكن بدأت تحتضر، وما زلنا ننتظر خبر وفاتها؛ حتى نطمئن لحياتنا وحياة الأجيال القادمة من بعدنا وحمايتها من الأخطاء التي وقعنا بها، ونتمنى ألّا تعود مرة أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.