المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد سراج الدين الأمين Headshot

الدين مشرِّعاً للأخلاق

تم النشر: تم التحديث:

حقيقة، لا هدف لمقالي هذا؛ بل هو مجرد تساؤل لا يجب بالضرورة الوصول به لحتمية الإجابة؛ فالإجابة -كما أثبتها التاريخ- يجب أن تُسبق بالتجربة، والتجارب تختلف من حالة إلى حالة أخرى، ليس ذلك فحسب، فالتجارب أيضاً تختلف بدرجات متباعدة.

تجربتي:

أعيش وسط مجتمع متدين للحد البعيد مقارنة ببقية المجتمعات التي تشارك ديني الإسلام؛ فالسوداني "غالباً" محافظ جداً على أشكال التدين الظاهرية على الأقل؛ كالصلاة والصوم وغيرها من تلك الأفعال الظاهرية.

وغالباً، تقترن عبارات تعظيم الشخص بعبارات مثل "متدين" أو أنه "محافظ على صلواته"، وبالعكس تقابلها عبارات "غير متدين"؛ للطعن في أخلاقيات الشخص والتقليل من شأنه وأفعاله العامة أمام العامة.

فالدين لدينا مرتبط بالأخلاق بطريقة ما، قد تكون لبعض المجتمعات متشابكة بعض الشيء. أما هنا فالحال مختلف؛ فالدين أساس الخُلق فإن غابت أفعاله الظاهرية فسدت الأخلاق ويدلل الكثيرون من أصحاب هذه الفكرة على أقوالهم بتشريعات دينية بحتة مثلها مثل قول سيدنا محمد "الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" المصطلحين اللذين يعتبران "إسلامياً" نقيضي الخُلق أو علامات سوء الخلق.

دعوني أفرق بين المصطلحين؛ فإن كانت الفحشاء هي نقيض الحسنة أو لنقل السيئة التي نهى الدين عنها، فالمنكر هو نقيض الفعل الجيد البعيد عن الثواب السماوي، فهو خُلق البشر بعضهم مع بعض لا غير ذلك.

تلك الأفعال الظاهرية إن كانت إرادياً أو غير ذلك صارت هي الكِفّة الغالبة عند صاحبها أمام الآخرين في أي منصب أو ترشيح أو حتى عرض للزواج، فالمتدين حافظ مال! والمتدين يخاف الخالق في مخلوقاته! والمتدين حافظ لزوجته وطالباً لرضائها!

في بلادي، لسنوات، ظلت تلك الطريقة التي يتم بها اختيار الأزواج والكفاءات وحتى الوزراء وغيرهم، لكن إن صحت تلك الطريقة في الاختيار، فلماذا تمتلئ صفحات الصحف بسرقات المال العام وضرب الأزواج لزوجاتهم؟ هل ذلك البعد عن الدين هو الشماعة الدائمة للأغلبية أم أنه أمر بعيد عن الدين نهائياً؟ هل تلك الطريقة الخاطئة -دعوني أسميها كداروين "الانتخاب التديني"- هل أثبتت فشلها كما ذكرت في مقدمة مقالي؟

هي مجرد تجربة تختلف من شخص لآخر، ولكني في تجربتي، تلك الطريقة "الانتخاب التديني" فاشلة لحد بعيد، فكثير من الأشياء لا ينفع فيها الاختيار على أساس ديني أو معتقدي.


دعوني أبسط فكرتي عن الموضوع، فالأمر فاشل مثل أن تختار والياً لولاية ما لأن كل مؤهلاته كانت مجرد مهارة لعب كرة القدم مثلاً! وقتها، لا يفيد الركل والصد في حل معضلات الولاية المالية والإدارية وهنا الحال كذلك.

لكن، هل يوافقني المتدينون الفكرة؟ أعتقد أن الوسطيين منهم لا يمانعون تلك الفكرة، لكن ماذا عن الأصوليين منهم.

لم أعتقد أن أجد إجابتي عند أشهر شيوخهم ابن القيم؛ حين قال: "الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان"، يظهر فصل الدين عن الخلق جلياً في بدء العبارة، فالكلام لا يُظهر علاقة الجزء بالكل حتى، ولكن لا تنتهي العبارة حتى يربط بينهما؛ ليُظهرهما بشكل مترابط لا ينقض من الانفصال الكامل الظاهر في أول العبارة. لكن لم يفصل ابن القيم بين اللفظين من فراغ، "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه...".

وهنا، يظهر الفصل الواضح في الحديث النبوي الشريف. تُظهر السُّنة والأحاديث النبوية الخُلق في الدرجة الثالثة بعد التسليم والعبادة، ولكنها تُظهر كذلك أن الخُلق أقدم من الدين؛ فمقولة "الإسلام دين فطرة" تظهر سابقية الفطرة للدين، وهي مجموعة الخصال التي تظهر في الإنسان. فالأخلاق ليست نتاج كتب منزلة من السماء؛ بل هي وليدة التجارب.

فالإنسان يجب ألا يكذب بسبب الأفعال التالية للكذب بالنسبة له ولأسلافه من البشر، وكذلك السرقة، فالأخلاق كل شيء أو فعل له رد فعل مباشر من الطرف الآخر، والأمر هكذا من تاريخ إنسان الغاب الأول، وقد قالها مجموعة مفكرين، حيث قدموا الخُلق على الدين؛ فكانط مثلاً ذكر وجوب اعتبار الخُلق غاية لا وسيلة لتحقيق المصالح الأنانية وإن كان بعض التدين أنانية فبعض الأفعال الدينية ما هي إلا في سبيل الحسنات والثواب الموعود في الحياة الأخرى ولا يصدر من اعتبار الفعل الجيد غاية تدرك والإنسان قيمته العليا بعيداً عن المقابل.

وقد تطرق هوبز إلى ذلك في نقد كتاب "العقد الاجتماعي" لروسو؛ عندما تساءل جان جاك: لماذا يجب أن نتبع السلطة؟ فأخلاقيات المجتمع -كما يراها هوبز- قد تكون بديلاً للقوانين وللسلطة نفسها في رأيه.

الأخلاقيات نتاج التجارب، ولعل كل تجربة فاشلة خطوة لتكوين فكرة جيدة جديدة قد تنقلب على من يوافقها وتعارضه في لحظة قادمة، فهل ينقلب حال قومي يوماً أم سيظلون كما هم أسرى "الخُلق الديني"- إن جازت التسمية؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.